حين أهانتني أمام الجميع… ولم تعرف أن العالم كله كان يقف خلفي
المحتويات
داخلي بعد سنوات من الإغلاق.
ربما لم يكن الاعتذار كاملا وربما لم يعترف بكل الألم الذي مضى لكنه قال ما كان يجب أن يقوله منذ زمن طويل وقاله أمام الجميع وفي لحظة لم يتوقعها أحد.
بدأت ملامح القاعة كلها تتغير.
الناس الذين كانوا يتجنبون النظر إلي صاروا يقتربون بحذر كأنهم يخشون أن يتهموا بالتأخر في فهم الحقيقة.
مد أحدهم يده للسلام وآخر قدم تهنئة مقتضبة وثالث حاول التظاهر بأنه كان يعلم كل شيء منذ البداية.
كان واضحا أنهم يريدون إعادة كتابة التاريخ وكأنهم لم يشاركوا سابقا في تجاهلي أو التعامل معي كظل شاحب لا أهمية له.
لكنني بقيت ثابتا مهذبا هادئا دون أن أظهر حماسة أو رغبة في التقارب معهم.
تعلمت درسا طويلا مع ليندا
لا تعط قيمة لمن لم ير قيمتك منذ البداية.
وبينما كنت أتلقى تلك التهاني المترددة رأيتها ليندا تقترب ببطء شديد.
خطواتها الصغيرة كانت تشبه خطوات شخص يمشي نحو حكم نهائي لا مهرب منه.
وقفت أمامي رفعت ذقنها قليلا محاولة أن تستعيد بقايا كرامتها التي تآكلت خلال الدقائق الماضية.
قالت بصوت متماسك ظاهريا لكنه مهزوز من الداخل
إيفان أعتقد أن الأمور خرجت عن السيطرة اليوم. لقد كنت منفعلة وأخطأت. ما حدث كان سوء فهم لا أكثر.
كانت كلماتها مزيجا عجيبا من الاعتذار والتبرير والهروب.
نظرت إليها
سوء فهم لقد رميت الماء في وجهي أمام الجميع.
ولم تكوني منفعلة
كنت متعمدة.
ارتجفت شفتاها قليلا لكنها حاولت أن تتمسك بآخر خيط دفاع لديها
ظننت أنك جئت لإحراجنا.
أجبتها بصوت أكثر صفاء مما توقعت
لا أحد يحرج عائلة إلا من داخلها.
وقد فعلت ذلك جيدا اليوم.
كانت جملة كافية لتسقط الدفاعات الأخيرة في عينيها.
لم تبك وهذا ما فاجأني لكنها كانت أشبه بشخص خسر معركة لم يعرف كيف دخلها أصلا.
كانت غاضبة من انكشافها أكثر من غضبها من أي شيء آخر.
وفي تلك اللحظة بالذات خرج والدي من بين الحاضرين واقترب مني.
وقف بجانبي دون أن يتفوه بكلمة.
وجوده وحده كان إعلانا واضحا
لقد اختار جانبي لأول مرة منذ سنوات.
نظرت ليندا إليه وكأنها تستنجد بما كان لها من سلطة قديمة.
انهارت نبرة صوتها بالكامل حين قالت له
ريتشارد قل له. قل له إنني لم أقصد إيذاءه. أنت تعرف ذلك.
رفع والدي يده وقاطعها بصوت لم أعهده منه منذ تزوجها
ليندا هذا تجاوز.
وأنا لن أقبل أن يعامل ابني بهذه الطريقة بعد اليوم.
كانت تلك الجملة بمثابة انهيار أرضي تحت قدميها.
لم تكن الصدمة نابعة فقط من موقفه بل من أنها فقدت أهم الأسلحة التي اعتادت استخدامها
سلطة الصوت الأعلى وسلطة السيطرة على المشهد وسلطة الاعتقاد بأنها صاحبة
ألقت نظرة مرتبكة حولها ثم استدارت بسرعة تكشف ارتباكها وهربت نحو الممر المؤدي إلى الحمامات.
كانت خطواتها متعثرة وكعوبها تضرب الأرض بقوة لا تحكم فيها.
لم أشعر بالشماتة.
لكنني شعرت بأن ميزانا كان مائلا طويلا قد عاد إلى الاعتدال.
بعد دقائق هدأ المكان قليلا وعاد الناس إلى طاولاتهم ولو أن التوتر ما زال عالقا في الهواء مثل رائحة المطر الأولى.
أخذت نفسي خطوة للوراء وخرجت مع والدي نحو الشرفة الزجاجية المطلة على ملعب الجولف.
كانت السماء تميل إلى البنفسجي والهواء يحمل برودة خفيفة تمتزج برائحة العشب المبتل.
وقف والدي بجانبي وقال بصوت أقرب إلى الندم منه إلى القوة
تركت أمورا كثيرة تتفاقم حتى ابتعدت عني أكثر مما توقعت.
أريد أن أصلح ذلك يا إيفان.
كان صادقا ليس بالكلمات فقط بل بالصمت الذي تلاها.
صمت أثقل من أي اعتذار.
شعرت بأن شيئا كان يسقط عن كتفيه وربما عن كتفي أيضا.
قبل أن أتمكن من الرد لحق بنا جوناثان بابتسامة هادئة كالعادة وقال
أعتذر على اقتحامي لحظة عائلية
لكنني أردت فقط أن أقول
إيفان يستحق كل هذا وأكثر.
ضحكنا جميعا ضحكة قصيرة لكنها نظيفة من المجاملات.
وبينما كنت أسمع أصوات الاحتفال تعود من خلفي شعرت بأن شيئا كبيرا تغير بالفعل.
خطواتي لم تعد ثقيلة كما كانت عندما
بعد نهاية الحفل وأثناء مغادرتي القاعة شعرت أن خطواتي على أرض الرخام اللامعة كانت أخف بكثير مما كانت عليه عند دخولي.
لم أكن فقط أخرج من مكان مزدحم بل كنت أخرج من فصل كامل من حياتي فصل طويل ومزدحم بالوجع والتجاهل والتأويلات الخاطئة.
عند الباب الكبير التفت قليلا.
لم أكن أبحث عن أحد ولم أكن أتوقع ظهور أحد.
كنت فقط أودع نسخة قديمة مني نسخة صمدت رغم أنها لم تكن تملك الكثير من الدعم ونجت رغم كل محاولات الإقصاء التي مورست عليها.
وحين خرجت إلى الممر المؤدي لمواقف السيارات كان المشهد كله يبدو وكأنه لقطة سينمائية لم أدرك أنني بطلها إلا الآن.
أضواء الطريق المنخفضة انعكست على الإسفلت الذي لمع بعد رشة مطر خفيفة وصوت الهواء البارد كان يلامس وجهي كأنه يقول
لقد عبرت وانتهى الجزء الأصعب حقا.
مشيت ببطء.
لم تكن خطوات هروب ولا انسحاب مهزوم بل خطوات شخص يتأكد للمرة الأولى أن الأرض التي يمشي عليها ملكه وأن الطريق الممتد أمامه ليس مجرد ممر بل بداية.
خلفي كانت أصوات الحفل تتداخل بضعف
ضحكات مصطنعة همسات مرتبكة كؤوس ترفع دون حماسة وموسيقى تحاول جاهدة أن تكمل دورها رغم أن المشهد لم يعد يحتملها.
كل ذلك بدا بعيدا جدا كأنه عالم لم أعد أنتمي إليه ولا أرغب أصلا بالعودة إليه.
والغريب أنني
بل شعرت بأنني أصبحت
متابعة القراءة