ضربة واحدة في بطني… كشفت لي من هو عدوي الحقيقي

لمحة نيوز

الخوف أخيرا يعرف طريقه إلى من يستحقه.
خرجت من القاعة وأنا أحمل غريس وقلبي ينبض بقوة شخص عاد من معركة طويلة لكنه لم يهزم.
كان يوما سيظل محفورا في ذاكرتي مثل وشم لا يزول.
مرت الشهور التالية بسلام لم أعرفه مطلقا.
كنت أستيقظ لأجد غريس تزحف نحوي بضحكة صغيرة وتفتح ذراعيها لي وكأنها تستقبل العالم. كنت أعمل من المنزل أطبخ أقرأ لها القصص أصنع لها مهودا من البطانيات وألتقط لها الصور وهي تعبث بوجهي أو تحاول أن تنطق أول صوت يشبه اسمي.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة شعرت أنني أم أكثر من كوني ناجية.
وشعرت أنني أعيش لا أهرب.
وأنني أتنفس لا أختبئ.
ومع كل يوم يمر كان مارك وإلين يختفيان من ذاكرتي كظل يذوب تحت شمس قوية. لم أعد أرى ملامحهم في أحلامي ولم أعد أسمع أصواتهم في ليالي الخوف. كان الماضي يفقد قوته ببطء بينما تكبر غريس أمامي كضوء يدفع الظلام للخلف دون أن ينظر إليه.
وذات مساء كانت غريس نائمة فوق صدري. وضعت يدي على خدها الصغير ولمست دفء جلدها. شعرت أنني ألمس قطعة من قلبي لا من جسدي.
همست لها بصوت منخفض يكاد ينكسر
لن أسمح للعالم أن يكسرك ولا أن يكسرني من جديد.
كانت أنفاسها دافئة وهادئة مثل سلام لم أعرفه منذ زمن بعيد. ارتعشت شفتيها بابتسامة صغيرة من تلك التي يصنعها الأطفال عندما يحلمون بشيء جميل وكأنها تفهم كلماتي رغم
أنها لم تتعلم بعد معنى الكلمات.
وفي تلك اللحظة أحسست بدفء عجيب يجتاح صدري يمتد لكتفي ثم يغمر روحي كلها. شعرت أن الزمن توقف قليلا وكأنه يمنحني فرصة لأدرك كم تغير كل شيء.
كنت أحتضن غريس وهي تغفو على صدري وشعرت أن العالم كله يبتعد عني شيئا فشيئا وأن الحياة التي كانت تنغلق في وجهي يوما بعد يوم بدأت تفتح كنافذة جديدة لا تبلغها يد الخوف.
في تلك اللحظة تذكرت كل ما مررت به الماء الذي حاول ابتلاعي الأيادي التي دفعتني بلا رحمة الأصوات التي سكتت حين كنت أصرخ والوجوه التي ابتسمت في اللحظة التي كنت أنتزع فيها نفسي من الغرق.
تذكرت لحظة كنت فيها على وشك فقدان طفلي قبل أن أسمع صرختها الأولى.
تذكرت أنني كنت امرأة على وشك الانكسار امرأة دفعتها الحياة إلى القاع ثم تركتها هناك وحيدة في الظلام.
لكنني أيضا تذكرت كيف خرجت من ذلك القاع وكيف وجدت يدي الصغيرة التي أمسكت إصبعي وكأنها تعاهدني على البقاء.
رفعت رأسي ونظرت إلى سقف الغرفة بهدوء لم أعرفه من قبل وقلت في داخلي
أنا لم أعد مجرد امرأة نجت.
أنا امرأة أعادت بناء نفسها قطعة قطعة رغم الخوف رغم الجراح رغم كل الأبواب التي أغلقت قبل أن يفتح أمامي باب واحد فقط.
وابتسمت.
ابتسمت لأنني لم أنتصر فقط بل لم أهزم.
لم أعد أرتجف حين أسمع صوتا غير مألوف خارج الباب.
لم أعد أبحث في المرآة
عن امرأة منهكة تخشى ظلها.
كنت أبحث عني ووجدتني.
وجدت امرأة لم يكسرها الألم بل صنع لها ظهرا أقوى من الرصاص.
وجدت قلبا كان يرتجف في ليلة الحفل المشؤوم صار الآن ثابتا كجبل يحرس طفلة لا تعرف عن الدنيا سوى أن صدر أمها هو وطنها الأول.
وحين حركت غريس يدها الصغيرة وأمسكت بقميصي شعرت أن العالم كله يتجمع في نقطة واحدة في ذلك اللمس.
لمسة تقول
أنت كافية.
أنت قوية.
أنت لي وأنا لك.
فهمت شيئا لم أفهمه يوما
أن الأمان ليس رجلا يعدك ولا بيتا كبيرا ولا اسم عائلة ولا شبكة علاقات.
الأمان ليس وعودا مؤقتة ولا كلمات تقال حين يريدون السيطرة عليك.
الأمان يبدأ من الداخل من قلب قرر أخيرا بعد حرب طويلة أن يتوقف عن الخوف.
أغمضت عيني ووضعت رأسي على رأس غريس الصغير.
كانت رائحتها تشبه الحياة نفسها تلك الحياة التي كدت أفقدها أكثر من مرة.
همست في داخلي
ما هو آت سيكون لنا نحن الاثنين.
نحن فقط.
ولن يستطيع أحد أن ينتزعه منا بعد الآن.
مرت الأيام وكبرت غريس قليلا.
كانت خطواتها الأولى تشبه موسيقى جديدة تعيد ترتيب قلبي.
كانت ضحكتها تكسر آخر بقايا ظلام خلفه مارك وإلين.
كنت أرى في عينيها يقينا يقول إن العالم يمكن أن يكون طيبا رغم كل ما رأيته أنا من قسوته.
لم أعد أفكر في الماضي كما كان.
لم تعد تفاصيل الحفل تطاردني.
لم تعد يد إلين في أحلامي.
لم
تعد ضحكة مارك تلاحقني في ظلام غرفتي.
لقد انطفأ كل ذلك مثل شمعة تركت بلا هواء.
كنت أعلم أن الماضي لن يمحى لكنه لم يعد قادرا على التحكم في.
وأدركت أن الانتصار الحقيقي ليس حكم قاض ولا وثيقة حماية
الانتصار كان أن أستطيع أن أتنفس دون خوف.
أن أستطيع أن أضحك دون أن أفزع.
أن أستطيع أن أعيش دون أن أبحث خلفي.
كبرت قوتي مع كل يوم كبرت فيه غريس.
كانت تتعثر ثم تنهض.
تسقط ثم تضحك.
وكأنها تقول لي
الوقوع ليس نهاية يا أمي النهاية حين نتوقف عن النهوض.
وكانت كلماتها الصامتة تعلمني ما لم تعلمنيه الحياة نفسها.
كنت أنظر إليها وأرى أنني لم أنجب طفلة فقط بل أنجبت سببا جديدا لأحيا كما لم أحيا من قبل.
وذات ليلة كنت أقف قرب نافذة الغرفة أحمل غريس وهي تنام والمدينة خارج النافذة تبدو كأنها تتنفس ببطء.
كانت الأضواء بعيدة والسماء صافية والقمر يقف كحارس فوق الأسطح.
شعرت أن العالم كله صامت وأن حياتي بدأت أخيرا تتكلم.
أدركت أن لكل حرب نهاية
ولكل ليلة مظلمة فجرا لا يفشل في الوصول.
وأحيانا يكون الفجر مجرد ابتسامة طفلة أو يدا صغيرة تبحث عن أصابعك أو قلبا قرر أن يعود للنبض.
تنهدت وضممت غريس إلي أكثر وقلت في داخلي
لن نخاف بعد اليوم.
لن نعود إلى الوراء.
لن نسمح لأحد أن يقرر مصيرنا.
لقد انتصرت.
وانتصاري لم يكن صخبا
كان هدوءا عميقا يشبه سلاما
طال انتظاره.
وفي ذلك الهدوء أدركت الحقيقة الكاملة
أنني لم أنج فقط
بل ولدت من جديد.

تم نسخ الرابط