المرأة التي طردوها من حياتهم بعد الولادة… ولم يعلموا أنها أغنى منهم جميعا
المرأة التي طردوها من حياتهم بعد الولادة ولم يعلموا أنها أغنى منهم جميعا!
ساد صمت كثيف في غرفة المستشفى صمت من النوع الذي لا يسبقه شيء ولا يليه شيء صمت يشبه الفراغ... الفراغ الذي يبتلع الأصوات والمشاعر واليقين. لم يكن في المكان سوى خفقة ضعيفة تصدر عن جهاز مراقبة نبضات القلب ونفس متقطع يخرج من صدر صوفيا كأنها امرأة خرجت من معركة شرسة لا من عملية ولادة فقط.
كان جسدها مرهقا شعرها ملتصقا بجبهتها وعيناها نصف مغلقتين من شدة التعب... لكنها رغم كل هذا كانت تحمل بين ذراعيها حياة.
طفلة صغيرة دافئة كأنها قطعة ضوء تجسدت في شكل جسد وملامحها الغضة تتحرك على مهل وصوتها الخافت يشبه الهمس حين تنبض شفتيها الرقيقتان بحركة صغيرة.
شعرت صوفيا أن روحها كلها قد ذابت داخل هذا الكائن الجديد همست لها بصوت مبحوح مخنوق بالعاطفة
مرحبا صغيرتي يا قطعة قلبي يا بداية كل شيء.
كانت لحظة مقدسة لحظة تمتزج فيها براءة الحياة بألمها لحظة تشعر فيها الأم بأنها في الوقت نفسه أضعف ما تكون
لكن الباب انفتح
وانفتح معه الجحيم.
دخلت فيكتوريا أولا.
خطواتها كانت تضرب الأرض بحدة كأنها لا تمشي فوقها بل تمزقها. نظرتها كانت أشبه بنصل بارد ينغرس في القلب بلا رحمة. توقفت عند طرف السرير وحدقت في صوفيا طويلا حدقت فيها نظرة امرأة لا ترى أمامها أما أنهت للتو رحلة الولادة بل عقبة عبئا خطأ يجب تصحيحه.
قالت بصوت مرتفع قليلا وفي نبرتها فائض من الكراهية
حتى في أسوأ حالتك ما زلت بارعة في جلب المتاعب. لم تتغيري.
كانت الكلمات كحجارة ترمى على صدر امرأة لم تخرج من جسدها إلا دقائق قليلة.
ولم تكن وحدها.
دخل رجال العائلة خلفها واحدا تلو الآخر وجاء زوجها إدوارد أخيرا. بدا وكأنه يساق إلى هذا المكان رغما عنه كتلميذ مذعور يقف على الهامش لا يملك من أمره شيئا.
كان يقف هناك بجسد ثابت وروح معلقة في خوفه من أمه.
رفعت صوفيا رأسها بصعوبة تشعر بألم في جسدها لم تعرفه يوما في حياتها.
سألت بصوت ضعيف
ما الذي يحدث لماذا أنتم هنا جميعا
اقتربت فيكتوريا
جئنا لننهي شيئا تأخر تأخر كثيرا.
مدت يدها إلى حقيبتها أخرجت ملفا أسود كبيرا فتحت غطاءه ودفعته نحو صوفيا.
أوراق كثيرة مرتبة بعناية وكأنهم خططوا لهذه اللحظة منذ زمن.
قالت فيكتوريا
هذه أوراق الطلاق. وقعي الآن.
شهقت صوفيا دون وعي.
كانت الكلمات طعنة لا مجرد صدمة.
طعنة مغروسة في لحظة ضعف لا تشبه أي ضعف آخر.
رفعت عينيها نحو زوجها همست
إدوارد هل تعرف شيئا عن هذا
كان ينظر إلى الأرض يركز على بلاطة واحدة كأنه يبحث فيها عن ملجأ. رفع رأسه ببطء شديد وقال بصوت خافت
صوفيا ماما تريد فقط أن نرتب الأمور. إنها إنها ترى أنك غير مناسبة.
ضحكت فيكتوريا ضحكة قصيرة
بل قوليها كما هي غير نافعة. لا فائدة منك. دخلت عائلتنا بلا مال بلا نفوذ بلا قيمة. والآن لديك طفلة لن تستطيعي تربيتها وحدك. الأفضل أن توقعي وتنتهي القصة.
شعرت صوفيا بأن شيئا في صدرها انكسر.
لم يكن كسرا واضحا بل كسرة أمان.
كسرة بيت ظنته
تحركت طفلتها في حضنها كأن جسدها الصغير يشعر بتوتر أمها.
ضمتها صوفيا أكثر تنفست بعمق محاولة أن تطفئ الألم بالهواء.
همست
اخترتم هذه اللحظة بعد ولادتي مباشرة
انحنت فيكتوريا نحوها حتى صار وجهها قريبا من وجه صوفيا وقالت ببرود قاتل
نعم. لأنك الآن أضعف.
ارتجفت صوفيا من الداخل.
تذكرت طفولتها وحدتها السنوات التي بنت فيها نفسها من دون الاعتماد على أحد.
كان صوت صغير داخلها على وشك أن يسقطها في الهاوية.
لكن فجأة
صدر صوت بكاء.
بكاء صغير صوت طفلتها.
كان صوتا رغم رقته كفيلا بأن يحول الضعف إلى غضب والغضب إلى قوة والقوة إلى شرارة نهضت في روحها كأن نارا قد اشتعلت فيها.
مسحت صوفيا دموعها.
رفعت رأسها.
نظرت إلى فيكتوريا مباشرة وقالت بصوت ثابت بطريقة أربكت الجميع
لن أوقع.
ارتسمت الدهشة على الوجوه.
أما فيكتوريا فبدا الغضب يشق ملامحها سريعا
أنت لا تملكين خيار الرفض! أنت بلا مكانة! بلا مال! بلا أهل! من سيدافع عنك
رفعت صوفيا طفلتها قبلتها ثم وضعتها في المهد الزجاجي
ثم