اعتراف هزّ المحكمة… حين حمل ابنه لأول مرة تغيّر كل شيء
يمينا ويسارا بعينيه الفضوليتين كأن الحياة بالنسبة له لم تبدأ إلا الآن.
وقف القاضي وكان صوته ثابتا كمن يقرأ قدرا لا مفر منه. قال إن التحقيقات الأخيرة كشفت أدلة جديدة وإن شهادات مهمة ظهرت بعد صمت طويل وإن التحليلات الحديثة أثبتت أمورا لم تكن موجودة في الملف القديم. كانت كل كلمة ينطقها تسقط في القاعة مثل قطع الثلج بطيئة ثقيلة تحمل في داخلها وعدا بشيء كبير.
ثم قال الجملة التي انتظرتها الزوجة وانتظرها الرجل وانتظرها حتى الطفل الذي لم يفهم معناها لكنه شعر بارتجاج العالم حوله
تقرر المحكمة تبرئة المتهم وإطلاق سراحه فورا.
عند تلك اللحظة لم يفهم الرجل الجملة فورا. شعر بدوار مفاجئ كأن الجدران تتحرك أو تكاد تسقط وكأن الزمن الذي كان واقفا منذ سنوات عاد فجأة إلى الركض. نظرت إليه زوجته بعينين تملأهما الدموع وقالت بصوت نصفه بكاء ونصفه ارتياح
انتهى لقد انتهى كل شيء.
خرج من المحكمة تحت أشعة شمس لم يشعر بها منذ زمن طويل.
مرت الأسابيع التالية كأنها فصل جديد تماما من حياته فصل كتب بقلم مختلف. حاول أن يتأقلم تدريجيا مع العالم الخارجي الذي تغير أكثر مما توقع. كانت التقنية الجديدة تربكه وكانت الشوارع التي يعرفها تشعره بالغربة والوجوه التي اعتادها كبرت والناس تغيروا لكنه رغم كل ذلك لم يشعر بالخوف. كانت الغربة في الداخل أقل ألما من الغربة التي عاشها خلف الجدران.
كان يقف كل صباح أمام نافذة بيته ينظر إلى الشارع يتأمل حركة الناس فيشعر بأن الحياة تتحرك بسرعة لا تلحق بها روحه لكنه أيضا كان يشعر بشيء يشبه الأمل. لم يعد يريد أن يستعيد ما فقده بل أن يبني ما تبقى.
قضى ساعات
وبعد شهور من محاولات التأقلم حصل على وظيفة بسيطة في متجر قريب. لم تكن وظيفة كبيرة لكنها كانت بداية والبدايات في حياته كانت أهم من النهايات. ثم بدأ يتعلم مهارة جديدة وتعرف على ناس مختلفين وبدأ يساعد شبابا يعانون من مشكلات تشبه تلك التي مر بها في السابق. كان يشعر بأن التجربة التي عاشها لم تكن مجرد عقوبة بل مدرسة قاسية لكنه يريد أن يخرج منها شيئا مفيدا للآخرين.
ومع مرور الأيام صار أكثر قوة وأكثر هدوءا وأكثر تصالحا مع نفسه. لم يعد يفكر في الماضي كما كان يفعل ولم يعد يشعر أن حياته توقفت في تلك الليلة القديمة. كان يشعر بأن الاعتراف الذي قدمه والذي ظن في البداية
وفي يوم من الأيام بينما كان يسير في الحديقة حاملا طفله بين ذراعيه حدثت اللحظة التي جعلت قلبه يقف لوهلة ثم يعود للنبض بقوة أكبر مما عرفه يوما.
نظر الطفل في عينيه وقال كلمته الأولى
بابا.
تجمد الرجل في مكانه كأن الكلمة اخترقت شيئا قديما في داخله. شعر بأن دموعه تصعد إلى عينيه دون إذن وبأن العالم كله توقف ليترك له المجال ليتنفس هذه اللحظة. كانت تلك الكلمة بالنسبة إليه أكبر من تبرئته وأكبر من خروجه من السجن وأكبر من كل ما عاشه. كانت إعلانا بأن الماضي انتهى وأن المستقبل بدأ حقا.
وحين ضم طفله إلى صدره بقوة شعر بشيء يشبه السلام الذي بحث عنه طوال حياته. السلام الذي لا يأتي من البراءة ولا من الحرية بل من الحقيقة الحقيقة التي رفض مواجهتها لسنوات ثم واجهها نهائيا فغيرته من الداخل كما لم تغيره أي تجربة أخرى.
أيقن في تلك اللحظة أن الإنسان يمكن أن يولد مرتين
مرة من رحم أمه
ومرة