الخادمة التي أثبتت أن الإنسانية أغلى من المال

لمحة نيوز

لكن ما حدث بعد تلك الجملة كان أبعد بكثير مما يتخيله أحد. ما إن نطقت تلك الجملة حتى بدا أن الزمن توقف وعلق في مكان بين النبض والتنفس. كان الصمت الذي تلاها ليس مجرد سكون بل صمتا له وزن الحجر على القلب صمتا جعل الهواء يتردد قبل أن يجرؤ على الحركة.
كانت الخادمة واقفة في منتصف الممر ووجهها الشاحب يلتقط ما تبقى من ضوء المساء. لم تتحرك خطوة إلى الأمام ولا إلى الخلف فقط تلك النظرة في عينيها التي لم يستطع الرجل تفسيرها. نظرة فيها شيء يشبه الألم شيء يشبه الخوف وشيء آخر أعمق وأغرب كأنها رأت الشرخ الذي انفتح فجأة في قلب رجل ظنته يوما جبلا لا تهزه الرياح.
لم تتوقع أن تسمع منه اعترافا بهذا الثقل. لم تتوقع أن ينهار الصوت الذي كان يأمر ويتحكم فيتحول إلى نبرة رجل يبحث عن شيء لم يعرف اسمه بعد. رفعت يدها ببطء فقط لتقول له دون كلام أنا هنا لم أهرب بعد.
لكنها ما إن رفعتها حتى ارتجفت أصابعها فسحبتها سريعا كأن مجرد اقتراب الهواء بينهما جريمة لا يجب أن ترتكبها. كانت تخشى أن تخطئ في حق نفسها أو في حقه أو أن تستثير حدودا لا يحق لها أن تتجاوزها.
ومع ذلك رأت في تلك الليلة ما لم يتح لأي خادم أن يراه.
رأت رجلا يملك من الدنيا ما يكفي ليملأ

قصورا يقف أمامها محطما يبكي بصمت طفل فقد طريقه. لم يكن البكاء صوتا كان رعشة في كتفيه وانكسارا في عينيه وارتجافا في شفتيه حين حاول أن يبتلع مرارة أعوام لم يعترف بها لأحد.
كان يتنفس بصعوبة كأن صدره يختنق بثقل قرار لم يتخذ بعد. اقتربت منه خطوة صغيرة وهمست
سيدي أنت لست بخير. دعني
قاطعها وهو يهز رأسه كمن يسقط من مكان مرتفع
لا أريد دواء ولا طبيبا أريد إنسانا فقط.
تجمدت الكلمات في حلقها ولم تعرف ماذا تفعل. تركته يمضي الليل ساهرا بعينين لا تنغلقان يراقب باب غرفته كأنها قد تعود في أي لحظة. أما هي فجلست في غرفتها فوق السرير الخشبي الصغير تحدق في الحائط وفي صدرها معركة لا يسمعها أحد.
كانت تعرف أن البقاء يعني طريقا لا عودة منه طريقا يلتهمها ويجرح اسمهما معا. وبين الخوف والحنين والواجب اختارت الهروب.
وعند الفجر اختفت.
لم تكتب رسالة.
لم تترك كلمة.
لم تأخذ معها سوى حقيبة صغيرة وثوب عملها البسيط.
وتركت خلفها ما هو أقسى من الغياب
تركت فراغا.
فراغا بحجم قلب رجل لم يعترف حتى لنفسه أنه أحب وجودها أكثر مما أحب حياته الرتيبة بين جدران قصره.
عندما اكتشف اختفاءها لم يصرخ كما يفعل عادة. بل وقف مكانه جامدا كأن جسده نزع منه العصب الذي يحركه.
ثم انطلق بعجلة هستيرية يفتح الأبواب بابا بعد باب ينادي
غريس! غريس! أين أنت
لم يرد عليه أحد سوى صدى صوته يرتد من جدران القصر.
حتى الخدم الذين كانوا يخشون مجرد النظر في عينيه نظروا إليه تلك المرة بدهشة وربما بشفقة.
في الأيام التالية بدأ شيء يشبه الموت يسكن روحه.
لم يأكل.
لم يرفع ستارا.
لم يأمر أحدا بأي شيء.
ولم يغضب قط.
صار صامتا صمتا لا يشبه القصور بل يشبه القبور.
يزوره الأطباء فلا يهتم يزوره الكاهن فلا يسمع.
والخدم يتهامسون في الممرات بأنه فقد عقله.
لكن الحقيقة لم تكن في الجنون
الحقيقة كانت في الغياب.
غياب المرأة الوحيدة التي جعلته يشعر أنه إنسان لا مجرد لقب وثروة وقصر.
وفي مكان بعيد عنه في بلدة صغيرة لم تسمع اسمه قط كانت هي تعمل في مطبخ كنيسة تحاول أن تتنفس وتحاول أن تنسى.
وفي كل ليلة كانت تكتب رسالة ثم تمزقها.
حتى الليل الذي خانها فيه قلبها وكتبت
أنا آسفة تركتك لأحميك. اقتربت من حدود لا يجوز لي أن أتجاوزها وخفت أن يدمرك كلام الناس أكثر مما قد يدمرك حبنا.
عندما وصلت الرسالة إليه سقطت الورقة من يده وارتعشت أصابعه كأنها أصيبت ببلل من دمع لم يعد يستطيع إخفاءه.
ولأول مرة منذ أسابيع بكى بصوت مسموع.
وفي صباح اليوم
التالي أمر السائق بإعداد السيارة.
حاول السائق الاعتراض قائلا
سيدي الطريق طويل جدا وصحتك لا تحتمل.
فأجابه الرجل بصوت ضعيف لكنه يحمل قوة غريبة
لا أحد يموت حين يسعى ليرى قلبه لكن الكثيرين يموتون حين يفقدونه.
انطلقت السيارة في طريق طويل والرجل يجلس قرب النافذة وإلى جانبه كرسيه المتحرك مطويا وكأنه لم يعد يريد الجلوس عليه كأن رؤيتها تعيده إلى الحياة وتمنحه قدمين جديدتين.
كانت المسافة تطول ويده ترتجف وملامحه تشحب.
لكنه لم يتوقف.
كأنه يسابق الموت نفسه.
وعند الغروب
رآها.
كان الغروب يسكب ضوءه الذهبي على الطريق الترابي أمام الكنيسة الصغيرة حين توقفت السيارة. خرج الأطفال واحدا تلو الآخر وأصواتهم تتعالى مرحا وكانت هي تقف هناك تمسك بيد طفلين وتعبر بهما الطريق بحرص الأم.
لكنها توقفت فجأة.
التفتت.
رأت السيارة السوداء الفاخرة التي لم يكن لها مكان في تلك البلدة المتواضعة ثم رأت ظله خلف الزجاج ذلك الظل الذي تعرفه أكثر مما اعترفت به لنفسها. ارتجفت ركبتاها وسقطت الدموع من عينيها حتى قبل أن تخطو خطوة نحوه.
فتح الباب ببطء كأن كل حركة منه تنزل على عظامه ألم سنوات. نزل من السيارة ليس قويا كما كان بل هزيلا كمن هزمته الحياة وأعادته إليها
في اللحظة الأخيرة.
لم يقل شيئا.
ولم تقل هي شيئا.
اقتربت منه
تم نسخ الرابط