هؤلاء الأطفال النائمون قرب القمامة يشبهونني! صدمة الطفل تهزّ الملياردير
غريبا إن كان سيبيعه
لم يستطع أن يجيب بسرعة فالكلمات بدت أكبر من فمه ومن صوته.
لكن قبل أن ينطق امتدت يدا بيدرو الصغيرتان وأمسك بكف لوكاس بيده اليمنى وبكف ماتيو باليسرى وقال بجدية لا تشبه عمره
أقسم لكما أبي طيب جدا. لا يؤذيني أبدا. يحضنني كل ليلة ويقرأ لي القصص. لن يسمح لأحد أن يضربكما وإذا حاول أحد سأقف أمامكما مثلما أفعل مع أصدقائي في المدرسة!
نظر لوكاس إلى يد بيدرو الصغيرة ثم رفع بصره إلى عينيه الخضراوين وبعدها إلى الرجل الواقف خلفه الذي كانت الدموع تلمع في عينيه كأن قلبه مكشوف أمامهم بلا أي دفاع.
شعر لوكاس للحظة أنه يعرفهما كأنه رأى هذا الوجه وهذه العينين وهذا الأمان من قبل في حلم أو ذكرى ضائعة.
همس أخيرا
حسنا سنأتي. لكن إذا حاول أحد إيذاءنا سنهرب.
ابتسم بيدرو فورا وقال بحماس
اتفقنا! لكني متأكد أنك لن تحتاج إلى الهرب هذه المرة.
ساعدهما على الوقوف وحمل ماتيو كيسا بلاستيكيا صغيرا يحتوي على بقايا خبز وعلبة ماء شبه فارغة بينما ضم لوكاس الفرشة البالية إلى صدره كأنها آخر أثر يربطه بما كان يسميه بيتا.
وخرجوا الأربعة يسيرون في الشارع الضيق المزدحم بالقمامة والأصوات المرهقة.
كان بيدرو في الوسط ممسكا بيدي الطفلين وإدواردو يمشي خلفهم بخطوات ثقيلة كل خطوة أشبه بجرس إنذار يذكره بأن هذا الطريق لن تكون نهايته سهلة لكن هكذا تبدأ الحقائق الكبرى بخطوة صغيرة لا تشبه أي خطوة أخرى.
كان المارة يتوقفون
ثلاثة أطفال متشابهين بشكل يثير الريبة والإعجاب في آن واحد وجوه تحمل نفس الملامح نفس العينين نفس التعبيرات الصغيرة التي تفضح نسبا واحدا مهما تفرق الزمن.
همس رجل لآخر
انظر كأنهم ثلاثة توائم من عائلة غنية لكن اثنين منهم خرجا من فيلم آخر تماما.
عندما وصلوا إلى السيارة السوداء الفارهة توقف لوكاس وماتيو أمامها بدهشة صامتة.
مرر ماتيو أصبعه فوق هيكلها اللامع كمن يخشى أن يترك أثرا أو خدشا لمجرد اللمس.
قال بخفوت
هل هل هذه سيارتك يا سيدي
أجاب بيدرو بفخر طفولي لا يعرف الحدود
نعم! هذه سيارة أبي. نذهب بها إلى المدرسة وإلى النادي وإلى أي مكان نريد.
فتح إدواردو الباب الخلفي لهما فترددا لحظة ثم دخلا ببطء كأنهما يخافان من أن تكون السيارة مجرد حلم سينهار بمجرد الجلوس.
جلس بيدرو بينهما وأغلق الباب بنفسه بينما دار إدواردو حول السيارة وجلس خلف المقود.
وفي المرآة الداخلية رأى المشهد الذي سيظل محفورا في ذاكرته ما عاش
ثلاثة وجوه متطابقة تقريبا ثلاث عيون خضراء تلمع تحت نور الشمس ثلاثة أطفال يتحدثون ويتبادلون الابتسامات كأنهم يجتمعون بعد فراق طويل لا يعرفون سببه.
تحركت السيارة ببطء وغادرت الشارع الضيق لتدخل تدريجيا إلى الأحياء الراقية ذات الأشجار المصطفة والبيوت الهادئة.
كان بيدرو يشير من النافذة بحماس لا يهدأ
انظر يا لوكاس هذا المبنى الكبير هناك هو مكان عمل أبي. يملك شركة ضخمة!
ثم يشير إلى جانب آخر
وهذا المول الذي نذهب إليه أحيانا وهناك أكبر حديقة ألعاب في الحي!
كان لوكاس يسأل عن كل شيء بعفوية الطفل الذي يرى عالما جديدا للمرة الأولى
وماذا تفعل شركتك هل تساعد الناس هل يوجد أطفال كثيرون في حيك هل هل لديك جيران
بينما جلس ماتيو صامتا أغلب الوقت يراقب المشاهد بعينيه الواسعتين ويضغط على حافة المقعد بأصابعه النحيلة كأنه يخشى أن يختفي كل شيء فجأة.
أما قلب إدواردو فكان ساحة حرب.
جزء منه يريد أن يصرخ فرحا أن يضم الطفلين إليه بقوة أن يقول للعالم إنه وجد ما ظنه مفقودا منذ خمس سنوات.
وجزء آخر كان يرتجف من الحقيقة من الماضي من القانون من غضب عائلته ومن احتمال أن يخسرهم مرة أخرى.
وحين وصلوا إلى بوابة القصر اتسعت عينا الطفلين أكثر كأنهما يشاهدان مدينة من القصص لا وجود لها إلا في الخيال.
أسوار عالية حديقة خضراء واسعة أشجار مقصوصة بعناية نافورة تتلألأ في المنتصف كقطع من البلور الناعم.
قال ماتيو بصوت خافت يكاد لا يسمع
هل تعيش هنا حقا
رد بيدرو ببساطة
نعم. لكن أبي يقول دائما إن البيت كبير على شخصين فقط. كنت أضحك لكن الآن أظن أنه لم يعد كبيرا بما يكفي!
فتح الحارس البوابة وهو يقف مشدوها يحدق في الأطفال الثلاثة الذين ينزلون من السيارة.
لم يجد كلمات فاكتفى بأن يتمتم
يا إلهي
في الداخل كانت روزا مدبرة المنزل تنتظر كعادتها يوم الجمعة لكن حين رأت الأطفال الثلاثة يدخلون معا سقطت المفاتيح
قديسو السماء ما الذي أراه
قال إدواردو بإيجاز وهو يحاول قدر الإمكان أن يبقي صوته ثابتا
روزا سأشرح لك كل شيء لاحقا. الآن أريدك أن تعدي حمامين ساخنين وملابس نظيفة وطعاما كثيرا كثيرا جدا.
التفتت روزا إلى الطفلين فرأت تحت القذارة والملابس الممزقة وجوها ناعمة بريئة تحمل ظل خوف قديم ولكن فيهما أيضا بصيص أمل صغير كأنه يتوق للنمو.
انحنت أمامهما برقة أم وقالت
مرحبا يا صغيري لا تخافا. من اليوم لن تناما في الشارع بعد الآن.
وبينما كانت تقودهما نحو الحمام وقف بيدرو في منتصف البهو ينظر إلى أبيه ثم قال بصوت صغير يهتز كأن قلبه هو الذي يتحدث
أبي أشعر بشيء غريب هنا.
وأشار إلى صدره.
كأن شيئا كان مكسورا والتئم فجأة.
لم يستطع إدواردو حبس دموعه هذه المرة.
اقترب من ابنه رفعه بين ذراعيه وضمه بقوة حتى كاد يسمع دقات قلبه ثم همس
ربما لأن قلبك وجد أخيرا الأجزاء التي كانت مفقودة منه.
وبينما صوت الماء ينساب في الحمام ورائحة الصابون الدافئ تنتشر وصوت روزا يطمئن الطفلين داخل الغرف الداخلية وقف إدواردو وحده في البهو الواسع يدرك شيئا واحدا
أنه لم يعد أبا لطفل واحد
وأن ما حدث في هذا اليوم لن يكون مجرد مصادفة عابرة
بل بداية قصة كبيرة ستكشف حقيقة دفنتها العائلة خمس سنوات كاملة وستضع قلبه وعقله أمام أصعب امتحان في حياته.
ومن تلك اللحظة
لم يعد هذا القصر بيتا لرجل وابنه فقط
بل
حقيقة خرجت أخيرا إلى النور.