الابنة التي طُرِدت وهي حامل
المحتويات
قصيرة لكنها كانت كافية لتجرده من أي شعور مؤقت بالقوة. قالت بصوت منخفض لكنه كان أقوى مما يحتمله قلبه
كنت عائلتكما عندما احتجت إليكما وليس الآن.
جلس ريتشارد ببطء كأن الجدران أطبقت عليه. أما مارغريت فكانت عيناها تلمعان بدموع لم تذرفها منذ عشر سنوات. ربما كانت تلك أول لحظة تشعر فيها بأن ما فقدته لم يكن مجرد ابنة بل مستقبل كامل لم تعرف قيمته إلا عندما فلت من يدها.
سألتهم أميليا ببرود رسمي
هل تريدان شيئا آخر لدي اجتماع بعد قليل.
لم يتكلما. لم يكن لديهما ما يقال.
نهضا ببطء ببطء الشخص الذي يعلم أن الأرض التي كان يقف عليها طيلة حياته لم تعد ملكه. وتوجها نحو الباب كأنهما يسيران فوق حفرة ممتدة حفرة صنعوها بأيديهم حين أغلقوا بابا في وجه ابنتهم.
وقبل أن يخرجا توقفت مارغريت لحظة عند الباب كأنها كانت تنتظر أن تقول أميليا شيئا أي شيء كلمة صغيرة ربما أو بادرة تنقذ ما تبقى من مكانتها داخل قلبها.
لكن أميليا لم تنطق.
ولما خذلت الانتظار خرجا.
بقيت أميليا واقفة في مكانها تنظر من زجاج مكتبها إلى المدينة المترامية تحتها. السيارات الأبراج الشوارع الناس الذين لا يعرفون شيئا عما جرى في هذا المكتب قبل دقائق. ومع ذلك
ذلك المطر القديم الذي كان يجلد أذنيها عندما تركت خلف الباب صار الآن مجرد ذكرى بعيدة. ذكرى لم تعد تملك القدرة على إيذائها.
عندما وصلت إلى المنزل مساء ركض ابنها ليام نحوها بكل حماس الطفولة حتى بدا كأن الدرج يهتز تحت خطواته الصغيرة.
أمي! أمي! هل أنت بخير
أنا بخير يا صغيري أفضل مما كنت منذ زمن.
في تلك اللحظة عند باب منزلها وحقيبتها بيد ويد ابنها بيد أخرى أدركت أميليا حقيقة لم تكن واضحة من قبل حقيقة بسيطة لكنها أساس كل شيء.
القوة لم تكن يوما في كسر من كسروها.
ولم تكن في رد الألم إلى أصحابه ولا في الانتقام الذي يبدو مرضيا للحظة لكنه لا يعيد الزمن ولا يمحو الليالي التي بكتها وحدها.
القوة شيء أعمق بكثير.
شيء يولد في قلب جرح مئات المرات ولم يمت.
القوة ليست في المال فالمال مهما تضخم لا يشتري يدفئ خوفك ولا يدا تمسح دمعتك في الظلام.
وليست في السلطة فالسلطة مهما ارتفعت لا تمنحك أما تحميك أو أبا عندما تنهار.
القوة التي أدركتها أميليا كانت في كل لحظة نزفت فيها دون أن يراها أحد ثم نهضت.
كانت في أنها درست وهي ترضع طفلها.
عملت وهي متعبة.
انهارت ليلا وبكت حتى اختنق صوتها ثم قامت صباحا وكأن شيئا لم يحدث.
دفعت ثمن كتبها الجامعية من راتب بالكاد يكفي الطعام.
قفزت فوق كل حجر وضعه العالم في طريقها.
القوة كانت أنها بنت حياة كاملة من رماد حياة أخرى انهارت أمام عينيها.
حياة نقية ثابتة لا يعتمد فيها قلبها على أحد ولا يستطيع أي إنسان مهما كان قريبا أو قاسيا أن يسقطها من جديد.
وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة شعرت أن الماضي لم يعد يطاردها.
أن الأبواب التي أغلقت في وجهها لم تعد قادرة على خنقها.
أن تلك الفتاة التي وقفت تحت المطر وهي ترتجف لم تعد موجودة.
لقد تحولت إلى امرأة تعرف قيمتها
تعرف حدودها
تعرف من يستحق البقاء في حياتها
ومن يجب أن يبقى خلف الزجاج.
وفي تلك الليلة عندما وضعت رأسها على الوسادة لاحظت شيئا لم تنتبه له منذ زمن طويل
لم يكن هناك ثقل على صدرها.
لم يكن هناك ارتجاف خفي في قلبها.
لم تكن هناك صور قديمة تتسلل إلى عقلها لتطعنها قبل أن تغفو.
كان هناك هدوء.
هدوء صاف دافئ يشبه الشمس بعد عاصفة طويلة.
كانت غرفة النوم غارقة في سكون مريح ذلك النوع من السكون الذي لا يولد من غياب الأصوات بل
عندما أغمضت عينيها لم تندفع صور الماضي كما كانت تفعل دوما. لم تر البوابة الحديدية التي أغلقت في وجهها ولا تلك الليلة التي بكت فيها حتى بلل المطر شعرها وكتفيها ولا وجه أمها الخالي من أي شعور ولا نظرة أبيها التي لم تحمل إلا البرود. اختفت تلك المشاهد كلها أو ربما تحولت إلى شيء آخر أصبحت مجرد شظايا من حياة سابقة لا تملك السلطة عليها بعد الآن.
تذكرت كيف كانت تستيقظ كل ليلة تقريبا مفزوعة من الكوابيس تتلمس الهواء حولها لتتأكد أنها ليست في الشارع من جديد وأن ليام ما يزال بجانبها وأنها ليست وحدها. لكن هذه الليلة كانت مختلفة. وضعت يدها فوق صدرها محاولة أن تجد ذلك الثقل القديم فلم تجده.
همست لنفسها كلمات لم تقلها بصوت مسموع منذ سنوات
لقد انتهى حقا انتهى.
في الصباح التالي دخل ضوء الشمس من النافذة على استحياء وانبعثت رائحة القهوة من المطبخ حيث كان ليام يحاول تشغيل آلة القهوة
أمي! هل
متابعة القراءة