طفله صغيره بتاخد لبن لاخواتها الصغيرين والملياردير بيتدخل
أمل.
ومسكت إيده.
وخرجوا سوا في المطر…
خرج إسكندر وليلا من المحل، والهواء البارد ضرب وشوشهم زي صفعة، لكن خطوة البنت الصغيرة كانت أسرع من خوفها. كانت ماسكة إيد إسكندر بإحكام، كأن الإيد دي هي الحبل الوحيد اللي طالعها من غرق عميق.
المطر كان تقيل، والشارع كله عربيات وأبواق وصوت عجلات بتندمج مع هدير المدينة اللي عمرها ما بتنام. ومع ذلك… ليلا كانت ماشية بثقة غريبة، إحساس إن أمل جديد بيتحرّك جنبها.
قال لها إسكندر وهو بيساير سرعتها:
"المحطة دي بعيد؟"
هزّت راسها:
"لا… عند الكوبري اللي جنب النفق. إحنا بننام هناك."
كلمة بننام جرحت ودنه، كأنه سمعها بتطعن في ضلوعه.
طفلة مفروض تكون في بيت دافئ… مش محطة أتوبيسات مهجورة.
قربوا من النفق، وكان المكان مليان بخار مياه راجع من التدفئة الأرضية، وعربيات جايّة ورايحة. الإضاءة كانت خفيفة، لكن عيني ليلا كانت شايفة طريقها كويس.
وقفت قدام ماكينة بيع قديمة، صدئة، عليها إستكرات متقشرة.
قالت:
"هما هنا."
قبل ما تكمل، خرج صوت صغير، متقطع من البرد:
"ليلا…؟"
ولدين صغيرين خرجوا من ورا الماكينة.
واحد في حوالي أربع سنين، شعره منكوش ووشه متروس تراب، والتاني سنتين، متكلبش
أول ما شافوا أختهم، جريوا عليها وربطوا دراعاتهم حوالين وسطها، كأنهم بيلمّوا نفسهم من الضياع كله.
إيفان، الأكبر، قال بصوت متكسّر:
"كنا خايفين… كنا فاكرين إنك مش هترجعي."
ليلا حضنتهم بكل قوتها، والدموع غرقت خدودها من غير ما تقدر تمنعها.
طلعت علبة اللبن من جوّا هدومها وقدّمتها للبيبي الصغير.
فتحت الببرونة اللي كانت شايلها، وبدأت تصب اللبن جوّاها بإيدين بتتهز من البرد ومن الشوق.
إسكندر وقف ساكت.
المشهد دا خبطه في قلبه.
اتذكّر نفسه زمان… طفل بردان… جعان… مستني معجزة هو مش مصدّق إنها هتيجي.
والمعجزة وقتها جات.
ودلوقتي… الدور عليه.
قرب منهم وسأل بهدوء:
"أكلتوا حاجة؟"
إيفان هز راسه:
"لأ… ليلا قالت لازم ناكل لما هي تجيب اللبن."
إسكندر عضّ على شفايفه من الغيظ — مش على الولاد… على العالم اللي سايب تلات ملايكة بالشكل ده يتسحلوا لوحدهم.
اتنهد وقال:
"طب يلا. هنمشي من المكان دا دلوقتي."
ليلا سألت بخوف طبيعي لأي طفلة اتأذت قبل كده:
"على فين؟"
رد عليها:
"على مكان دافي. آمن. وهنقعد فيه لحد ما نلاقي حل."
إيفان بص عليه بعيون مترددة، وخد خطوة لورا…
لكن البيبي الصغير مد إيده ناحية إسكندر
ابتسامة صغيرة ظهرت على وش إسكندر، حاجة نادرة جدًا عنده:
"شايف؟ هو وثق فيّا."
ومد دراعه وشال الطفل الصغير بحرص واضح.
الطفل، رغم البرد والتعب، حط رأسه على كتف إسكندر وغمّض عينه.
ليلا اتفاجئت.
من زمان محدش شال أخوها بالطريقة دي.
ركبوا العربية، وأول ما الباب اتقفل، الدفا بدأ يلفّ حوالينهم.
إيفان قعد جنب أخوه، وليلا قعدت في الكرسي اللي ورا إسكندر، بس كانت عينيها على إخواتها مش بتف blink.
ساق إسكندر ناحيت مكان محدش يعرف إنه ليه:
ملجأ صغير للأسر المحتاجة، دافئ، نظيف، معمول بإنسانية أكتر من كونه مشروع خيري.
أول ما وصلوا، الموظفين جريوا عليهم:
بطاطين، هدوم ناشفة، شُربات صوف، وأكل سخن ريحته تعمّي على أي وجع.
الأطفال قعدوا على ترابيزة، في الأول كانوا بيأكلوا بحذر، كأنهم خايفين الأكل يطير…
وبعدين فجأة، جوع أسبوع كامل ظهر دفعة واحدة.
ليلا كانت بتاكل بس عينيها على إسكندر كل شوية.
كأنها بتسأله من غير كلام:
هتسيبنا إمتى؟
بعد ما خلصوا، راحت له وسألته بصوت خفيف قوي:
"هو… هو المكان دا بتاعك؟"
ابتسم بصعوبة شوية:
"أيوه. بس مش مهم مين صاحب المكان. المهم إنتوا تكونوا
سكتت.
وبعدين قالت حاجة خلت قلبه يضرب غلطة:
"من ساعة ما مسكت إيدي… بطّلت أخاف."
الكلمة دي غرست جوا صدره.
دفّته نحية قرار كان لسه في دماغه، بس ماستناش كتير.
على مدار الأيام اللي بعدها، حصلت حاجات كتير:
كشف طبي كامل للأولاد، علاج لنقص التغذية، استحمام، لبس جديد، متابعة نفسية، وسجلات رسمية اتفتحت باسمهم.
الإخصائية الاجتماعية قالت بوضوح:
"الأولاد معندهمش حد. ولا قريب. ولا سند."
إسكندر ما ترددش ثانية.
قال:
"تمام. ابتدي ورق الوصاية."
الإخصائية قالت بصدمة:
"حضرتك… عايز تتكفل بيهم؟"
رد بثبات:
"أنا مش هسيبهم تاني في الشارع."
ليلا عرفت الخبر بعد يومين.
وقعت من كتر الصدمة… وبكت في حضنه.
بس المرة دي… البكاء دا كان مختلف.
كان بكاء حد لقى بيت… مش مساعدة.
بعد أسابيع، اتنقلوا لبيته.
بيت دافي، كبير، مليان نور، بس كان فاضي… فاضي أوي.
لحد ما صوت إيفان ضحك في الأوضة.
وصوت البيبي بيكلّع من السعادة.
وخربشة أقلام ليلا على ورق الرسم.
البيت اتغير.
والحياة اتغيرت.
وإسكندر… نفسه اتغير.
ليلا قربت منه في يوم، وهما قاعدين في أوضة المعيشة، وقالت:
"أنت أنقذت حياتنا."
بص لها وقال:
"لأ يا ليلا… إنتي اللي
ابتسمت — ابتسامة جديدة، حقيقية، مليانة طفولة افتقدتها.
وفي اللحظة دي…
إسكندر فهم إن البيوت مش مباني.
البيوت قلوب…
واتملا قلبه من تاني.