امرأة جميلة لابسة أغلى الماركات، صفعت طفل مشرّد ورمت الأكل بوجهه
اللي قبلها يختفي
إنتي آذيت ابني.
رسالة من رقم مجهول.
جملة واحدة بس خنقتها.
كتبت
من فضلك خليني أكلمه. أنا آسفة وعايزة أصلح اللي حصل.
الرد
ولا كلمة.
الليل كان طويل الصبح أطول.
اسمها مولع الدنيا.
فيديوهات تحليل سخرية تعليقات إعادة نشر بمزيكا حزينة تكبير للصورة كل حاجة.
بس اللي قصم ضهرها
كان منشور.
من صفحة بسيطة مؤسسة بتساعد أطفال الشوارع
لو إيما بيرس عايزة تصلح اللي عملته تبدأ من هنا.
وتحتها عنوان ملجأ صغير.
وقفت قدام المرآة
وشها مرهق عينيها مطفية.
بس جواها سؤال
لسه أستحق فرصة
من غير ما تستنى لبست لبس بسيط.
سروال قماشي كنزة واسعة حذاء رياضي.
ربطت شعرها وخرجت.
شايلة كيس ورق فيه سندويتشات
مش كبير بس كان كل اللي تقدر عليه.
وقفت قدام باب الملجأ
حطت إيدها على القبضة
تنفست
وفتحت.
أول ما دخلت إيما الملجأ حست كأنها داخلة عالم تاني مختلف عن كل اللي عرفته. صوت ضحك بسيط جاي من أوضة على اليمين ريحة أكل دافي نور أصفر خفيف مدي المكان طمأنينة غريبة.
واقفت عند الشباك الخشبي بتاع الاستقبال وراها موظفة كبيرة شوية في السن لابسة نضارة على طرف
قالت الموظفة
أقدر أساعدك
ابتلعت ريقها وقالت بصوت واطي
أنا إيما بيرس. غالبا سمعت عني.
رفعت الموظفة حاجب مش نظرة صدمة أكتر نظرة حد كان متوقع يشوفها.
عاوزة إيه يا إيما
وقفت إيما ثواني بتحاول تلم شجاعتها اللي اتكسرت كتير في الأيام اللي فاتت.
قالت
جيت أعتذر مش قدام كاميرات ولا في مؤتمر للطفل نفسه.
الست فضلت بصالها فترة طويلة
نظرة بتسأل إنتي جاية تصلحي ولا جاية تنظفي صورتك قدام الناس
وبعدين سألتها بسكينة تقيلة
إنتي هنا عشان نفسك ولا عشان الطفل
إيما خدت نفس عميق كأنها بتغوص
أنا هنا عشان أول مرة في حياتي أحس إن لازم أتعلم إزاي أبقى إنسانة بجد.
سابت الموظفة الورق اللي قدامها قامت وقالت
استني هنا.
وسابت إيما لوحدها في ممر طويل.
الممر كان هادي بس مليان أصوات بعيدة طفل بيعيط حد بيضحك ناس ماشية رايحة جاية.
وإيما
واقفة نص دقيقة
وبعدين دقيقة
وبعدين دقايق بقت تقيلة كأن الزمن بيضغط فوق صدرها بإيده.
وبعدين
رجعت الموظفة.
وأول ما فتحت الباب إيما وقفت من مكانها بسرعة.
الست كانت شايلة طفل صغير
طفل ملامحه اتحفرت في ذاكرة إيما.
الطفل اللي كل حاجة بدأت منه
لوكا.
اتجمدت إيما في مكانها.
ركبها اتراخت.
قلبها وقع يمكن نزل من جسدها كله.
كان لوكا أكبر سنة شوية خدوده متوردة وشعره شايل فوضى الحياة من غير ما يحاول يصلحها.
بس عينيه
عينيه اللي كانت دايما بتضحك لما يشوفها
دلوقتي واقفة عليها بنظرة مترددة خايفة حائرة.
دقت خطوة لقدام.
خطوة واحدة
بس حاسة كأن الأرض كلها بتميل تحت رجليها.
همست
لوكا
ماردش.
اتمسك في قميص الموظفة جامد كأن عقله مش قادر يثق في اللي شايفه.
قالت الممرضة بابتسامة خفيفة
تعال يا لوكا دي إيما.
الطفل بص لها تاني
نظرة طويلة نظرة فيها أثر جرح قديم وخيط نور جديد.
نظرة طفل مش متأكد لو يرجع ولا يهرب.
نزلت إيما على ركبتيها عايزة تبقى في مستوى عينيه.
حطت الكيس اللي فيه الساندويتشات على الأرض.
وقالت بصوت متقطع
لوكا أنا جيت.
مكنتش بعرف أرجع بس عمري ما سبتك من قلبي.
عنياه لمعت للحظة بس فضل واقف مكانه.
الدنيا بقت هدوء
هدوء يخوف
يخليك تسمع نبض قلبك بنفسك.
مدت إيما إيدها
مش بتقرب مش بتطلب
بس بتدعوه.
الطفل
كأنه بيقرأ تاريخها الوجع الندم الذنب
وبعدين
حصلت اللحظة اللي غيرت الدنيا.
اتقدم خطوتين.
خطوتين صغيرين
بس بالنسبالها كانوا أعمق من أي حاجة.
مد إيده
ولمس صوابعها.
لمسة بسيطة
بس كانت زي ضوء بيرجع لقلب مطفي.
إيما دموعها نزلت مرة واحدة من غير صوت من غير نفس.
فتحت دراعها ببطء
مش بتشده
بتستناه.
ثانية
ثم ثانية
وبعدين لوكا اندفع عليها ورمى نفسه كأنه بيجري على بيت كان ضايع منه من زمان.
كانت بتترعش من شدة البكاء وهو ماسك فيها كأنه خايف تروح ولو اتحركت.
قالت وسط شهقاتها
أنا هنا يا لوكا
وهفضل هنا
مش هسيبك تاني.
أعدك.
حطت الموظفة إيدها على كتف إيما بابتسامة دافية
لسه في حاجات كتير لازم نناقشها
بس واضح إن البداية رجعت.
إيما رفعت وشها
دموعها بتلمع بس جواها قوة جديدة إحساس إنها واقفة على بداية طريق حقيقي.
قالت
آه
دي البداية اللي كان لازم توصلني من زمان.
مسحت دموعها بإيدها وبصت للطفل
والمرة دي
مش هسمح لنفسي أضيعها.
ولأول مرة من شهور
ولأول مرة من قبل الفيديو قبل السقوط قبل الانتقادات
حست إن العالم اللي اتشقق حواليها
بيرجع
مش لأنه سامحها.
ولا لأنها أصلحت كل حاجة.
لكن
لأن الطفل اللي كسرها يوم
هو نفسه الطفل اللي رجع روحها يوم تاني.