المرأة التي ادعوا أنها مجنونة… خرجت تحمل الحقيقة التي أخفوها عن كلارا لسنوات
المرأة التي ادعوا أنها مجنونة خرجت تحمل الحقيقة التي أخفوها عن كلارا لسنوات
لكل بلدة أسرارها غير أن بلدة كلارا دوسون كانت تحتفظ بأسرارها كما تورث الذكريات القديمة تنتقل همسا من شرفة إلى أخرى ومن جار يغمض عينيه إلى آخر يتظاهر بأنه لا يسمع.
كانت البلدة صغيرة إلى حد يجعل كل أحد يعرف كل سيارة وكل عادة تتكرر وكل تفصيلة يغيرها شخص ما في حياتهحتى تسريحة الشعر أو التأخر عن قداس الأحد.
لكن ما كان يشغل الناس بحق هو من يختلف عنهم.
وكانت كلارا مختلفة دائما.
لم تختر اختلافها بل فرض عليها منذ الطفولة.
فعندما بلغت السابعة انتقلت للعيش مع مارك وإلين كارتروالديها بالتبنيومنذ تلك اللحظة والبلدة تنظر إليها بعين واحدة عين الشفقة.
الشفقة كانت العملة الرسمية في مدينة سيدر هولو تمنح الناس شعورا زائفا بالطيبة من دون أن تكلفهم شيئا.
كانوا يهمسون
مسكينة تربي طفلة ليست ابنتها.
لكن في بلدة كلارا الهمسات لم تحمل فقط الشفقة بل القسوة.
كانوا يقولون خلف النوافذ المغلقة
الفتاة المسكينة أمها الحقيقية تخلت عنها في دار إيواء.
وفي مكان آخر يزيدون الهمس سما
ترى من والدها أراهن أن أمها
كانت كلارا تسمع.
لم يفترض أن تسمع لكن الأطفال دائما يسمعون ما يتمنى الكبار ألا يسمع.
وفي كل ظهيرة عندما تسير مع صديقتيها المقربتين ميا وجوردان كانت الهمسات تتبعها من بعيد.
كان لأطفال سيدر هولو مسار معروف بعد المدرسة
ينزلون شارع مابل يمرون بمخبز بورت ينعطفون حول نافورة الأسد المتآكل ثم يقطعون الحديقة القديمة التي شهدت أشجارها أسرارا تفوق أسرار البشر.
وفي تلك الحديقة كانت المرأة تجلس.
دائما.
على المقعد الخشبي الباهت نفسه.
في طبقات ملابس لا تنتمي لأي فصل أكمام ممزقة وشاح مهترئ حذاء موحل وشعر متشابك معقود عند الرقبة.
وتحتضن دبا ممزقا كأنه الشيء الوحيد الذي يبقيها على قيد الحياة.
لم يعرف أحد اسمها.
أطلقوا عليها لقب المرأة المجنونة في شارع مابل.
كانت تتمتم بكلمات مبهمة وترتجف كمن يعيش في عالم آخر.
لكن ظهر يوم أربعاء تغير كل شيء.
كانت كلارا وصديقتاها في منتصف الحديقة عندما وقفت المرأة فجأة.
وقوف حاد مذعور كأن خيطا خفيا سحبها من الأرض.
اتسعت عيناها وانكسر صوتها ثم صاحت
كلااارا! كلارا إنها أنا! أمك الحقيقية!
توقف العالم.
سكتت الريح وتوقفت العصافير
سحبت ميا يدها وهمست
تجاهليها أسرعي.
ضحكت جوردان ضحكة مرتجفة
إنها مجنونة فقط امش.
هرعتا بالابتعاد لكن كلارا التفتت لم تستطع إلا أن تفعل.
رأت المرأة واقفة ترتجف تمد يديها نحوها والدموع تنحدر خطوطا على وجهها المتسخ.
شعرت كلارا بشيء ينكسر في صدرهاشرخ لم تفهمه.
ومنذ ذلك اليوم صار الأمر عادة يومية.
كانت المرأة تنادي اسمها كل ظهيرة
مرة برجاء
مرة بيأس
ومرة بصوت أم تنادي طفلها التائه.
قال المعلمون للتلاميذ
لا تلتفتوا إليها.
وقال المرشد النفسي
إنها متوهمة.
وقال الجيران
مكانها المستشفى.
وقال مارك وإلين بحنان وقلق
لا تقتربي منها إنها خطيرة.
لكن في الليل كان صوتها يعود في رأس كلارا.
نظرتها.
يقينها.
والأسوأكيف عرفت العلامة الصغيرة خلف أذنها اليسرى
العلامة التي لم يرها أحد سوى والديها بالتبني.
ذات يوم ماطر انزلقت حقيبة كلارا وسقط دفترها على العشب.
انحنت لتلتقطه.
وفي اللحظة نفسها انحنت المرأة.
التقت أيديهما.
تجمدت كلارا.
قطرات المطر تتساقط من شعر المرأة.
عيناها دافئتان حزینتان مألوفتان.
دفعت المرأة الدفتر نحوها وهمست
عيناك مثل عيني والدك تماما.
تراجعت كلارا تلهث
كيف تعرفين
ارتعش فك المرأة وقالت بكسر صوت
قالوا لي إنك مت.
ركضت كلارا إلى المنزل كأن الأرض تطاردها.
اقتحمت الباب مرتعشة مبللة.
وقفت إلين مذهولة ومارك خلفها.
قالت كلارا بصوت مخنوق
تلك المرأة تعرف العلامة خلف أذني.
تغير وجه إلين.
اهتزت يد مارك.
ورأت لأول مرة الخوف في عينيهما.
جلسا أمامها وقالا الحقيقة التي أخفياها سنوات
تبنيناك حين كنت في الثانية.
قيل لنا إن أمك الحقيقية مريضة وغير مستقرة.
إنها تركتك في مأوى أطفال.
لكن كلماتهم لم تعد كافية لطمس الحقيقة.
في اليوم التالي عادت كلارا إلى الحديقة وحدها.
كانت المرأةواسمها الحقيقي ليدياجالسة تحت شجرة الدردار.
وعندما رأت كلارا انهار وجهها بالبكاء
أتيت يا نجمة.
سألتها كلارا من بعيد
لماذا تعتقدين أنني ابنتك
مدت ليديا يدا مرتجفة وأخرجت صورة قديمة.
فيها ليديا صغيرة جميلة تحمل طفلة ملفوفة في بطانية صفراء.
تجمدت كلارا.
البطانية نفسها في خزانتها.
قالت ليديا بصوت محطم
كنت في حضني. ثم قالوا إنك أخذت مني. بحثت عنك سنوات يا كلارا. لم أكن مجنونة كنت أما فقدت طفلها.
سقطت دمعة كلارا.
وبدأت اللقاءات السرية.
أسبوعا
كانت ليديا تعرف الندبة على ركبتها واللحن الذي كانت تهدهده لها واللقب الذي نادتها به