المرأة التي طردوها من حياتهم بعد الولادة ولم يعلموا أنها أغنى منهم جميعًا!
لم تكن غرفة الولادة تشبه أي غرفة دخلتها صوفيا من قبل. كانت الأنوار خافتة والستائر مسدلة والهواء مفعما برائحة المطهرات لكن رغم هذا كله شعرت بأن المكان يحمل سكينة لا تنتمي إلى هذا العالم. كانت مستلقية على السرير أنفاسها تتوالى ببطء وجسدها مرهق حتى آخر قطرة فيه إلا أنها كانت تطوق بين ذراعيها المولودة الجديدة قطعة نور صغيرة ما زال جسدها يرتجف كلما لامسته نسمة هواء.
لم تتحدث صوفيا فقط حدقت في الوجه الصغير الملتف بغطاء أبيض. اتسعت عيناها دهشة كلما رأتها تتنفس كأنها تراقب معجزة تتجسد أمامها. لم تكن قد تخيلت يوما أن شيئا بهذه الهشاشة قادر على أن يملأ قلبها بهذا القدر من السلام.
قالت أخيرا بصوت خافت يكاد ينطفئ
لم أكن أعرف أن العالم يستطيع أن يمنحني شيئا جميلا إلى هذا الحد أهلا يا صغيرتي.
وقبل أن تكمل كلماتها انقطع الهدوء بانفتاح الباب فجأة.
التفتت صوفيا وتقلص صدرها. دخلت امرأة طويلة القامة ذات ملامح جامدة كالسكون ترتدي معطفا رماديا يبدو عليه الغضب أكثر مما يبدو عليه الأناقة. كانت مارغريتحماتهاتنظر إليها كما لو أنها ارتكبت جريمة لا كما لو
خلفها دخل ثلاثة رجال من العائلة ثم ظهر زوجها إدوارد. كان وجهه شاحبا وعيناه تتجنبان النظر إليها كأنه يخشى أن يرى شيئا يلزمه بالوقوف إلى جانبها.
رفعت مارغريت ذقنها وقالت بصوت بارد
أراك ما زلت على قيد الحياة. توقعت أن تكون العملية أصعب قليلا.
تجمدت الكلمات في حلق صوفيا لكنها تشبثت بطفلتها وأخفضت نظرها محاولة ألا تسمح للغضب أن يأكل اللحظة التي يجب أن تكون أجمل لحظات عمرها.
اقتربت مارغريت من السرير ثم وضعت ملفا سميكا على الطاولة الجانبية ودفعت به إلى صوفيا دون أدنى احترام.
تفضلي. هذه أوراق الانفصال. وقعي قبل أن نضيع وقتا أكثر.
رفعت صوفيا عينيها ببطء كأنها ترفع جبالا فوق كتفيها وقالت ببهوت
بعد الولادة مباشرة.
ابتسمت مارغريت ابتسامة قصيرة خالية من الرحمة
أفضل وقت. أنت ضعيفة ولن تثيري الكثير من الضجيج.
أما إدوارد فبقي واقفا كظل لا يتكلم ولا يتحرك. شعرت صوفيا وكأن الرجل الذي شاركته سريره وبيته لم يعد سوى ملامح بلا روح.
قالت بصوت منكسر
إدوارد هل كنت تعلم.
تحركت شفتاه لكن صوته بالكاد خرج
أمي ترى أن هذا هو الأفضل للجميع.
بين كلمة الأفضل ونبض طفلتها على صدرها شعرت صوفيا بقلبها ينهار. لكن لم يكن أمامها سوى شيء واحد تتمسك به هذه الصغيرة التي لم تعرف بعد قسوة العالم.
مسحت دموعها ورفعت الطفلة لتضعها داخل المهد الزجاجي الصغير ثم اصطفت ملامحها الضعيفة في لحظة غريبة من الصمت كأنها تعود لترتيب ذاتها من جديد.
قالت وهي تنظر إلى مارغريت بثبات لم يكن موجودا قبل دقيقة
لن أوقع.
سادت لحظة صدمة عابرة ثم ضحكت مارغريت ضحكة قصيرة مستهزئة
لا خيار لديك أنت بلا سند. لن تربي حفيدتنا في الفقر!.
رفعت صوفيا يدها مسحت على جبينها المثقل ثم قالت
من قال إنني فقيرة.
تصاعد ضجيج خفيف بين أفراد العائلة كأنهم سمعوا كلمة لا تنتمي إلى عالمهم. اقتربت صوفيا من حقيبتها وسحبت منها جهازا صغيرا فتحته بسرعة وثقة وبدأت تحرك أصابعها فوق الشاشة.
سألها أحد الرجال
ما الذي تفعلينه.
أجابت ببساطة هادئة
أستعيد اسمي فقط.
رفعت رأسها ونظرت إلى الجميع نظرة مختلفة نظرة قوية
أنتم لم تعرفوا شيئا عني. ظننتم أنني فتاة يتيمة معدمة لكن الحقيقة أنني الوريثة الوحيدة لمؤسسة ألتون العالمية. كل الأصول التي تركها
حدقت مارغريت فيها بدهشة غير مصدقة
مستحيل.
لكن صوفيا تابعت بثبات
الآن أفعل التحويل الوقائي. أصولي ستنتقل إلى صندوق محمي قانونيا. لا أحد منكم يستطيع لمسه لا أنت ولا ابنك ولا أي محكمة في البلاد.
ساد الصمت.
التفتت صوفيا نحو المهد نظرت إلى طفلتها ثم قالت وهي تضع يدها فوق زجاجه
كل ما أملكه سيكون لحمايتها فقط. وليس لأحد غيرها.
تقدمت مارغريت خطوة لكن صوفيا رفعت يدها قائلة
اقتربي خطوة أخرى وسأرفع عليك دعوى لا تنهضين بعدها.
تراجعت مارغريت.
كانت تلك المرة الأولى التي ترى فيها صوفيا امرأة غير التي حاولت سحقها سنوات امرأة أقوى أهدأ وأعمق مما توقعت.
أما إدوارد فكان يقف مشدوها يرمش ببطء كأن الكلمات تضربه صفعة بعد صفعة.
قال بصوت خافت
صوفيا لماذا لم تقولي لي.
نظرت إليه نظرة طويلة نظرة امتلأت بما لا يقال
لأنك لم تحاول أن تسأل يوما عمن أكون. كنت تنظر إلي كما أرادت أمك لا كما أنا.
غادرت العائلة الغرفة بصمت مرتبك كأنهم خرجوا من معركة لم يحسبوا