المرأة التي طردوها من حياتهم بعد الولادة ولم يعلموا أنها أغنى منهم جميعًا!
يشبه الاعتذار لكنه لم يقل شيئا. اكتفى بأن ينظر إلى زوجته نظرة رجل يرى امرأة للمرة الأولى رغم سنوات عاشها معها دون أن يلاحظ ملامحها الحقيقية.
اقترب خطوة ثم توقف كأن المسافة بينهما صارت فجوة لا يمكن اجتيازها.
قال بصوت خافت
لم أقصد لم أكن أريد أن تصل الأمور إلى هنا.
أجابته صوفيا دون أن ترف عين
الأشياء لا تصل إلى هنا فجأة يا إدوارد. إنها تصل بعد سلسلة طويلة من الأبواب التي تغلق والخيبات التي نتجاهلها والصوت الذي نخمده خوفا من أن نخسر من نحب حتى نكتشف أننا خسرنا أنفسنا قبلهم.
لم يجد ما يقوله. بقي واقفا يده تتشبث بجيب معطفه كأنه يبحث عن كلمة ضائعة لكن الكلمة لم تأت.
بعد توقف قصير اقتربت الممرضة لتطمئن على الطفلة فبدلت الأجواء المتوترة بلمسة لطيفة. ابتسمت وقالت
صغيرة جدا لكنها قوية.
ردت صوفيا هامسة
ستكبر أقوى مما يظن الجميع.
بعد يومين غادرت صوفيا المستشفى. كان الجو باردا والسماء ملبدة بغيوم ثقيلة لكن الهواء بدا منعشا بطريقة غريبة كأن المدينة نفسها تهنئها بنجاتها. ركبت السيارة التي أرسلتها إدارة مؤسستها الخاصة
سألتها المساعدة بابتسامة
إلى أي عنوان نذهب يا سيدتي.
نظرت صوفيا من النافذة قبل أن تجيب بثقة
إلى المنزل الجديد أريد مكانا تبدأ فيه ابنتي حياتها بعيدا عن كل شيء.
قادتها السيارة إلى ضاحية هادئة مطلة على البحر. كان المنزل حديث البناء بواجهة زجاجية واسعة تسمح للضوء بالدخول طوال النهار. حين دخلته شعرت صوفيا بشيء يشبه الرجوع إلى ذات فقدتها منذ زمن طويل.
وضعت الطفلة في سريرها الصغير الذي تم إعداده سلفا وجلست بجانبها. لم تكن خطواتها ثابته تماما بعد الولادة لكن قلبها كان ثابتا بطريقة لم تختبرها من قبل.
قالت بصوت منخفض
لن أسمح لأحد أن يقرر مصيرك غيرك هذا وعد.
وفي تلك اللحظة ابتسمت الطفلة لأول مرة ابتسامة صغيرة عابرة لكنها كانت كافية لتجعل صوفيا تشعر أن كل ما حدث يستحق.
مرت الأسابيع التالية بسرعة لكن أيام صوفيا كانت مليئة بالحركة. استأنفت عملها رسميا بعد إعلان مجلس إدارة مؤسسة ألتون دعمها الكامل. أصبح اسمها يتردد
لم تكن تبحث عن انتقام بل كانت تجمع قوتها لتضمن مستقبلا لا يحتاج فيه أحد لشفقة أو حماية.
أسست صندوقا خاصا لمساعدة الأمهات الوحيدات اللاتي خرجن من علاقات مؤذية. كانت تعرف جيدا شكل ذلك الانكسار الذي يختبئ تحت ابتسامة باردة. تعرف ألم الوحدة بعد خيبة. ولذلك أرادت أن تكون اليد التي لم تجدها يوما.
وفي كل مرة تأتي امرأة تبكي أمامها كانت صوفيا تنظر إليها بعيني امرأة نجت. وتقول لها
لم تنتهي قصتك أنت فقط في فصلها الأهم.
أما إدوارد فقد أصبح حائرا أكثر كلما مر الوقت. بدأ يرسل الرسائل معتذرا ثم يأتي إلى المنزل الجديد محاولا رؤيتها أو رؤية ابنته. لكن صوفيا لم تكن تهرب منه كانت فقط تعلم أن الأبواب التي تغلق بسبب الخذلان لا تفتح ثانية بلا ثمن.
في أحد الأيام طرق الباب وحين فتحته له وقف صامتا لحظة قبل أن يقول
أريد أن أرى ابنتي فقط أريد أن أراها.
نظرت إليه نظرة طويلة ثم أمالت رأسها قليلا وقالت
هل تذكر يوم ولادتها كنت واقفا بعيدا كأنك ضيف على حياتي. أنا لن
رد سريعا
أنا لست مترددا أنا خائف فقط!.
قالت بهدوء قاطع
والأب الذي يخاف من أمه لا يستطيع أن يحمي طفلته.
لم يستطع الرد. نظر إلى الطفلة من بعيد ثم غادر بخطوات بطيئة كأنه يبتعد عن خطيئته لا عن المنزل.
كبرت الصغيرة وصارت خطواتها الأولى تسمع في أرجاء البيت كأنها موسيقى. كانت تضحك بصوت يشبه رنين الماء وكانت صوفيا تقف خلفها دائما لا تحملها بل تسندها لتتعلم كيف تقف وحدها.
وفي بعض الليالي حين ينام العالم كانت صوفيا تجلس قرب النافذة حاملة طفلتها بين ذراعيها وتنظر إلى البحر. كانت الأمواج تأتي وتذهب لكن صوتها كان ثابتا مطمئنا يشبه صوتا داخليا يقول لها إنها فعلت الشيء الصحيح.
كانت تهمس لابنتها
ستكبرين حرة يا صغيرتي لن تحتاجي أحدا لتكوني قوية. سأعلمك أن القوة ليست في الصوت العالي بل في القلب الذي لا ينحني.
كما لو أنها تضم العالم كله.
ومع مرور الوقت أدركت صوفيا شيئا لم تدركه من قبل
أن الخسارات ليست نهاية بل هي أبواب بدايات لم تكن لتفتح لولا السقوط.
كانت بداية جديدة
وهي
النهاية