غفوت في مغسلة الملابس وأنا أحمل طفلتي بعد مناوبة ليلية
نظر شخص لا أعرفه شخص يراقب تعبي ويصر على ألا أترك السقوط خيارا.
كانت السلة ممتلئة بالطعام. ليس مجرد بضع علب بل طعام يكفي أسبوعا كاملا وربما أكثر عبوات طعام للأطفال بنكهات مختلفةموز تفاح بطاطا حلوةأكياس شوفان فوري بسكويت سادة شاي عشبي ومجموعة صغيرة من معلبات الخضار. وحتى قطعة شوكولاتة سوداء ملفوفة بورق لامع كأن أحدهم أراد أن يقول بصوت خافت هذه لك وحدك لأنك تنسين نفسك كثيرا.
وفوق كل ذلك كانت هناك ورقة صغيرة. طويتها ببطء وقرأتها. كانت تحمل نفس الخط نفس البساطة نفس الاختصار الذي يشبه العناية الصامتة
أنت تفعلين أفضل ما تستطيعين. تابعي.
ج.
قفز قلبي في صدري دفعة واحدة. ضحكت. بكيت. تداخل صوتاي حتى لم أعد أعرف إن كنت أتنفس أم أختنق. شعرت في تلك اللحظة أن العالمالذي كان يضيق يوما بعد يومانفتح فجأة كأن أحدهم وضع يديه على كتفي وربت عليهما قائلا أنت لست وحدك يا هاربر. لا تكوني قاسية مع نفسك.
في تلك الليلة بعد أن نامت ويلو أخيرا جلست على الطاولة الصغيرة في المطبخ وكتبت ورقة قصيرة بخط متردد
شكرا لك. أرجوك أخبرني من أنت. أريد أن أشكرك كما يجب.
وضعت الورقة تحت الممسحة وانتظرت. يوما. يومين. ثلاثة. خمسة. كل صباح أفتح الباب وأنا أبحث بعيني عن أي أثر يشير إلى أنه قرأها. لكن لم يكن هناك شيء سوى الصمت.
حتى جاء صباح آخر.
كنت عائدة من عملي في تمام السابعة. الشمس لم تكن قد ارتفعت بعد والبرد كان يقضم أطراف أصابعي. وما إن وصلت إلى بوابة المبنى حتى رأيته. رجل يقف قرب السور يضع يديه في جيبيه ويحرك قدمه بتوتر غريب كأنه يفكر في الرحيل في كل لحظة. لكنه بقي. وعندما اقتربت ورفعت رأسي التقت عينانا.
رفع رأسه قليلا وقال بصوت خفيض كأنه يخشى أن يوقظ أحدا
هاربر
وقفت مشدوهة. ملامحه لم أعرفها من الوهلة الأولى لكن شيئا فيها طرق بابا قديما في ذاكرتيطرقا خفيفا في البداية ثم بقوة حتى انفتح الباب كله دفعة واحدة.
قلت بذهول
جاكسون أنت جاكسون من المدرسة
ظهرت على وجهه ابتسامة خجولة تلك الابتسامة التي تذكرني بالطفل الهادئ الذي كان يجلس في آخر الصف يخفي
لم أتوقع أن تتذكريني.
أجبته
كنت جاري في الصف. وكيف ينسى الجار
أطرق رأسه إلى الأرض ثم قال بصوت متردد
أمي أخبرتني ذات مرة أنها رأت فتاة تحمل طفلتها في المغسلة. وصفتك لي فعرفت أنها أنت.
ابتلعت ريقي. شعرت أن قلبي يهبط ببطء إلى مكان قديم نسيت أنني أملكه.
تابع جاكسون
لم أستطع تجاهل الأمر. أنت كنت الوحيدة التي عاملتني بلطف في المدرسة. الوحيدة التي قالت لي يوما إنني أستحق أن أكون هنا.
اقترب خطوة واحدة خطوة صغيرة لكنها حملت سنوات كاملة من الصمت والخجل ثم أضاف بصوت صادق
أردت فقط أن أساعدك. كما ساعدتني أنت يوما.
كلماته انغرزت في قلبي كضوء مفاجئ بعد عتمة طويلة. لم أعرف ماذا أقول. لم أكن مستعدة لهذه الحقيقة. لم أكن مستعدة لأن يكون ج شخصا عرفني قبل عشر سنوات شخصا كان يمر بجانبي في الممرات وأنا لا أرى كل ما يحمله داخله.
قلت له بصوت خافت
جاكسون لم يكن عليك فعل كل هذا. لقد بالغت كثيرا.
هز رأسه بابتسامة صغيرة وقال
اللطف لا يبالغ فيه يا هاربر. اللطف يقدم حين يحتاجه أحدهم.
كانت جملة بسيطة لكن وقعها كان كأن أحدهم فتح نافذة في غرفة خانقة.
ومنذ ذلك اليوم صار يأتي بين فترة وأخرى. مرة يحمل دواء لوالدتي مرة يصلح درجا مكسورا مرة يشتري ليلو لعبة صغيرة ومرة يكتفي بالوقوف عند الباب لدقائق يسأل فيها هل تحتاجين شيئا
كان يأتي بلا شروط. بلا مقابل. بلا انتظار. وكانت أمي تناديه بألفة غريبة
العم ج.
فيبتسم بخجل ويشيح وجهه كمن لا يعرف كيف يتعامل مع هذا القدر من الترحاب.
لم تكن بيننا قصة حب. لم يكن بيننا وعد. لم يكن بيننا انتظار يتجاوز لحظته.
كان بيننا شيء آخر
شيء أنبل.
امتنان قديم ولطف يعود حين يظن الإنسان أنه لم يعد يستحق شيئا.
مرت الأشهر بهدوء يشبه تغير الفصول. لم يكن هناك حدث كبير ولا انقلاب مفاجئ في حياتي لكن الأشياء الصغيرة بدأت تتغير واحدا تلو الآخر كأن اللطف الذي دخل حياتي دون إذن أعاد ترتيب تفاصيلها من جديد. حصلت على ترقية صغيرة في عملي ليس شيئا ضخما لكنه جعل راتبي أفضل
كنت أعلم في داخليدون حاجة لكلماتأن جاكسون كان له يد في ذلك. لم يقل شيئا لم يلمح لم يرفع حاجبيه حتى. لكنه كان يظهر أحيانا قرب المكان يتحدث ببساطة مع المدير أو مع أحد العاملين ثم يختفي وكأن وجوده مجرد نسمة هواء تمر لتعيد التوازن.
وفي كل ليلة كنت أعود فيها إلى البيت بعد يوم طويل كنت أمر بالمطبخ. عيناي تذهب مباشرة إلى الثلاجة إلى أعلى اليمين حيث الورقة الصغيرة ما تزال معلقة بمغناطيس زهرة عباد الشمس. الورقة التي بدأت أطرافها تتآكل قليلا وبهت لونها لكن كلماتها
بقيت واضحة كما كانت في اليوم الأول
من أجلك أنت وابنتك.
ج.
لمست الورقة بأطراف أصابعي ذات مساء وشعرت بالدموع تتجمع في عيني مجددا. لم
تكن دموع حزن بل دموع امتنان خالصامتنان لأن الخير الذي كنت أظنه انتهى عاد. لأن اللطف الذي ظننته يتلاشى وجد طريقه إلي مرة أخرى.
وبينما الأيام تسير كانت علاقتي بجاكسون تتخذ شكلا غريبا. ليست علاقة صداقة بالمعنى المباشر ولا علاقة رسمية ولا حتى علاقة متبادلة بين شخصين يخططان للمستقبل. كنا فقط نلتقي في منتصف الطريق هو يأتي ومعه شيء يحتاجه البيت أو إصلاح بسيط وأنا أفتح الباب بابتسامة قصيرة وأشكره ونقف لثوان نتحدث عن الطقس أو العمل أو ويلو التي بدأت تقول أولى كلماتها.
كان هناك تواطؤ صامت بيننا
لا أحد منا يذكر الماضي ولا أحد يخطط للمستقبل.
نحن نكتفي بما تمنحه اللحظة.
وذات مساء وبينما كانت أمي تطهو الحساء في المطبخ جلست على الأرض ألعب مع ويلو حين سقطت اللعبة من يدها وتدحرجت إلى زاوية الغرفة. زحفت ويلو خلفها لكنها اصطدمت بدرج مكسور كان يؤذيني منذ شهور. في اللحظة نفسها طرق الباب.
فتحت فوجدت جاكسون يقف هناك يحمل حقيبة أدواته كعادته. نظرت إليه وضحكت قائلة
هل أصبحت تشم رائحة الأشياء المكسورة من بعيد
ابتسم قليلا ابتسامة صغيرة تسبق الخجل الذي يلون خديه دوما وقال
ظننت أن الدرج يحتاج إصلاحا.
أذنت له بالدخول وعندما انشغل هو بإصلاح الدرج جلست
جاكسون ألا تتعب من كل هذا
رفع رأسه مسح الغبار عن يديه وقال
اللطف لا يتعب يا ماما. الناس هم الذين يتعبون منه.
ضحكت أمي وضحكت معه بينما شعرت أنا بأن قلبي يتسع قليلا في صدري كأن الهواء صار أخف أو كأن شيئا ما تحرر بداخلي.
مرت أسابيع أخرى ثم جاء يوم لم أتوقعه. كنت أعود إلى البيت ومعي ويلو والسماء تمطر رذاذا خفيفا. عندما صعدت الدرج وجدت جاكسون واقفا أمام باب شقتي يمسك شيئا بين يديهصندوقا صغيرا ملفوفا بعناية.
قال بصوت منخفض
هذا ليس هدية. فقط شيء رأيته واعتقدت أنه ربما يفيدك.
أخذت الصندوق وفتحته. كانت بداخله بطاقة مكتوب عليها بخط أنيق
مواعيد نوم الأطفال وتنظيمها.
ثم كتاب صغير وعدة ليلية للأطفال وزجاجة زيت خفيف للراحة.
لم أستطع منع دموعي. ليس لأن الهدية غالية بل لأنها لم تكن هدية أصلا كانت ملاحظة. كانت رؤية. كانت عناية من شخص يراقب تعبك دون أن تشرحيه ويستبق حزنك دون أن تعترفي به.
قلت له بصوت مرتجف
جاكسون لماذا تفعل كل هذا
تردد قليلا ثم قال تلك الجملة التي لم أنسها أبدا
لأنك كنت أول من قال لي أنت تستحق أن تكون هنا.
لم أعرف ماذا أقول. الكلمات علقت في حلقي. كنت أظن دائما أن اللطف الذي قدمته له في المدرسة كان شيئا صغيرا كلمة ابتسامة دفعة معنوية لولد خجول. لم أدرك يوما أن الكلمات الصغيرة تكبر مع الزمن وتعود إلينا في شكل حياة كاملة.
مرت أشهر أخرى. الحياة صارت أكثر هدوءا وأكثر احتمالا. جاكسون ظل يأتي ويساعد ثم يغادر. لم نتحدث عن علاقة ولم نختلق قصصا ولم نحمل الأمور أكثر مما تحتمل.
لكنني عرفت شيئا واحداشيئا لا يحتاج إعلانا ولا وعدا
بعض اللطف لا يختفي.
بعض اللطف يدور حولنا ينتظر اللحظة المناسبة ليعود.
وأحيانا يعود إلينا في صورة شخص لم نتوقع أن نلتقي به أبدا.
وفي مساء هادئ بينما كانت ويلو نائمة وقفت أمام الثلاجة مجددا. الورقة الصغيرة ما تزال معلقة وحروف ج ما تزال
لقد عاد اللطف.
ولم أعد وحدي.