كأس ماء غيّر حياة طفلة… وكشف سرًّا ظلّ مخفيًا لسنوات
كأس ماء غير حياة طفلة وكشف سرا ظل مخفيا لسنوات
لم تنطق ابنة المليونير يوما بكلمة واحدة لكن حين قدمت لها فتاة فقيرة كأس ماء حدث ما يشبه المعجزة. كانت الشمس في ذلك اليوم تضرب شوارع حي بولانكو الراقي بقسوة والحرارة تجعل الهواء كأنه يشتعل. وسط هذا الازدحام كان يسير دييغو ميندوزا الرجل المعروف بثرائه وذكائه وهو يتجه نحو سيارته السوداء اللامعة. كان في منتصف الثلاثينيات من عمره أنيق المظهر يرتدي بدلة مصنوعة خصيصا له ورابطته الحريرية تسقط بتناسق فوق صدره. نظر إلى ساعته الفاخرة فقد حان موعد عيادة الطبيب وهو موعد لا يفوته أبدا لأن ابنته إيزابيلا تنتظره ليصطحبها.
إيزابيلا تلك الطفلة ذات الست سنوات كانت تسير بجانبه كظل صغير صامت. كانت جميلة حد الوجع بعينيها البنيتين الواسعتين وملامحها الهادئة. لكن جمالها لم يكن ما يشغل والدها بل الصمت الذي يحيط بها منذ يوم ولادتها. لم تنطق كلمة واحدة طوال ست سنوات كاملة رغم أن كل الأطباء أكدوا أن جسدها سليم وعقلها يعمل كما يجب ولا يوجد ما يمنعها من الكلام سوى شيء خفي يسكن داخلها.
قال لها دييغو بلطف وهو يفتح باب السيارة
هيا يا أميرتي.
رفعت رأسها إليه تمسك يده الصغيرة دون أن تتفوه بحرف ثم جلست في المقعد الخلفي كما تفعل كل مرة. قاد دييغو السيارة في شوارع المدينة بينما كانت إيزابيلا تنظر من النافذة بصمت تعبث بأطراف فستانها وهي غارقة في عالم
وعند تقاطع ريفورما حدث شيء لم يكن في الحسبان.
اقتربت فتاة صغيرة لا يتجاوز عمرها الثامنة من السيارات وهي تحمل كيسا مليئا بأكياس الماء البارد. كانت ابتسامتها مشرقة رغم فقر ثيابها وتصرخ بحماس
ماء بارد! بخمسة بيزو فقط!
لم يكن دييغو من النوع الذي يتوقف عند الباعة الصغار لكن شيئا ما في تلك الفتاة أثار انتباهه. أنزل زجاج السيارة وقال لها
أريد كيسين.
ركضت الفتاة نحوه وقد بدت الدهشة على وجهها حين رأته يناولها ورقة من فئة كبيرة.
لكن يا سيدي لا أملك فكة!
ابتسم لها بلطف وسألها عن اسمها.
قالت بالفخر
اسمي إسبرنثا يا سيدي.
وفي تلك اللحظة حدث أمر أغرب من الخيال.
داخل السيارة اعتدلت إيزابيلا في جلستها وكأن صوت الفتاة لامس شيئا دفينا في روحها. كانت تحدق في إسبرنثا بعينيها الواسعتين فلم تتردد الأخيرة واقتربت من النافذة ومدت لها كيس ماء وقالت برقة
خذي يا أميرتي الجو حار جدا.
مدت إيزابيلا يدها وأمسكت الكيس وعيناها لا تفارقان وجه الفتاة. تبادلتا النظرات كأن بينهما لغة لا تحتاج إلى كلمات.
سألت إسبرنثا بابتسامة لطيفة
هل أعجبك الماء
هزت إيزابيلا رأسها بخفة وهذه الحركة البسيطة كانت صدمة بالنسبة لوالدها لأنها نادرا ما تتفاعل مع الغرباء.
ثم قالت إسبرنثا وهي تميل نحو النافذة
تعلمين جدتي تقول إن الماء الذي يقدم بمحبة يصنع المعجزات.
كانت كلماتها بسيطة لكنها دخلت قلب إيزابيلا
وفجأة
تحركت شفتا الطفلة الصامتة.
حبس دييغو أنفاسه وهو يرى ابنته تحاول النطق ولو بحركة خفيفة لم ير مثلها منذ ست سنوات.
قالت إسبرنثا بصوت منخفض
تعرفين كنت خائفة من الكلام وأنا صغيرة لكن جدتي علمتني أن صوتنا هدية.
وبدا أن تلك الجملة كسرت شيئا داخليا في قلب إيزابيلا. كان وجهها الصغير ممتلئا بالترقب وكأن كلمات الفتاة تفتح بابا مغلقا.
تحولت إشارة المرور إلى الأخضر واضطر دييغو لقيادة السيارة لكن عيني ابنته ظلتا متعلقتين بإسبرنثا حتى اختفت وسط الزحام.
في طريق العودة لاحظ دييغو أن ابنته تختلف عن عادتها. كانت أكثر يقظة وكأن جزءا منها استيقظ بعد سبات طويل. وفي المساء أثناء تناول الطعام لاحظت المربية كارمن الأمر أيضا. قالت وهي تنظر إلى الطفلة
عيناها تلمعان اليوم بشكل مختلف.
أومأ دييغو وهو لا يزال غارقا في لحظة لقاء ابنته بإسبرنثا.
كان يشعر بأن تلك الفتاة الفقيرة قد لامست شيئا عجز عنه الأطباء.
ذلك الليل لم يجلب النوم له بسهولة. حلم بابنته تركض في الشارع نحو إسبرنثا ويضحك صوتها لأول مرة منذ ست سنوات.
وفي اليوم التالي اتخذ قرارا دون تردد.
سيعود إلى نفس الزاوية في نفس التوقيت.
وعندما سأل إيزابيلا أثناء الإفطار
هل تريدين الذهاب لرؤية الفتاة التي أعطتك الماء
هزت رأسها بحماس لم يره منها منذ زمن.
وعند الساعة الثانية والنصف
وبينما كانتا تتحدثان بإشارات بسيطة سألها دييغو إن كانت تريد أن تتناول الطعام معهما. ترددت الفتاة قليلا بسبب عملها لكنه منحها مبلغا يغطي ما كانت ستبيعه في اليوم كله فوافقت.
قادهم دييغو إلى كشك صغير للطعام الشعبي اقترحته إسبرنثا. وهناك وسط روائح الطعام وبساطة المكان حدثت المعجزة.
كانت إسبرنثا تحكي قصصا صغيرة وإيزابيلا تستمع بتركيز. ثم وضعت الفتاة يدها على صدرها وقالت
قلبي قال لي أنك مميزة عندما رأيتك.
رفعت إيزابيلا يدها الصغيرة ووضعتها فوق صدرها تقلدها ثم حركت شفتها
وبصوت خافت جدا همست
إس برنثا.
سقط الطعام من يد دييغو.
تجمد كل من في المكان.
ثم صاحت إسبرنثا وهي تبكي من الفرح
لقد قلت اسمي!
وهكذا نطقت إيزابيلا كلمتها الأولى
وبذلك بدأت القصة تتغير تماما.
ما إن أنهت راشيل جملتها حتى عم الصمت صمت ثقيل يكاد يسمع فيه صوت أنفاسها المرتعشة. كانت عينان متورمتان من السهر تحاولان التماسك فيما ارتجفت أصابعها فوق حافة العربة المعدنية التي دفعتها طوال اليوم. شعرت كأن العالم يراقبها من بين الرفوف من فوق رؤوس الزبائن من تلك الكاميرات الباردة التي لا تشعر بأحد.
لم يكن المشرف يبدل تعبيره. ظل واقفا أمامها بوجه جامد كأن القسوة جزء من قواعد المكان. قال
أنا لا يعنيني هذا