صندوق كاساندرا نادلة فقيرة تكتشف سرّ أبناء المليونير في علّية المطعم
أنها امرأة بغاية الأناقة ذات ملامح جامدة وعيون باردة لا ترى أحدا سوى نفسها. كانت تمر في المطعم أحيانا تتعامل مع الموظفين كأنهم قطع أثاث. ورغم ذلك لم تتخيل يوما أن يكون لهذه المرأة صلة بثلاثة أطفال مختبئين داخل صندوق خشبي مظلم.
اقتربت من الصغار بخطوات بطيئة. كانت أجسادهم الهزيلة ترتجف وأيديهم الصغيرة مغطاة بخطوط حمراء تركتها القيود على معاصمهم. بدا الأمر كبيرا جدا أكثر من قدرة عقلها على إدراكه. لكن شيئا واحدا كان واضحا هؤلاء الأطفال هربوا من شيء أو من شخص.
همست بريندا وهي تمسح جبين ماتيو
لن يؤذيكم أحد أنا معكم.
لكنها لم تكن واثقة من ذلك فحتى صوتها بدا أضعف مما توقعت.
أومأ جايل بتوتر ثم قال بصوت أقرب للهمس
يجب أن نخرج من هنا قبل أن تعرف أننا لسنا في الغرفة.
التقت نظرات الأطفال الثلاثة في لحظة فهم صامتة كأن بينهم اتفاقا خفيا لا يجرؤون على قوله بصوت عال.
جمعت بريندا أنفاسها وأمسكت أيديهم وقادتهم نحو الدرج. ومع كل خطوة كان صرير الخشب يعلو كأنه تحذير من العلية نفسها. وعندما وصلت إلى أسفل السلم وفتحت الباب انسكب الضوء من الطابق السفلي كلوحة نجاة.
هبطوا جميعا وإذا بالمطعم يعج بالحياة المعتادةالموسيقى
وضعت بريندا الأطفال في ركن بعيد عن الأنظار. انحنت أمامهم لتطمئنهم
أنتم آمنون الآن صدقوني.
لكن جايل هز رأسه وقال بنبرة يعرف صاحبها المصيبة قبل حدوثها
كاساندرا ستعرف.
لم تعرف بريندا ماذا تجيب. أرادت أن تكذب أن تطمئنهم أن تقول إن كل شيء سيكون على ما يرام. لكنها لم تكن تملك تلك الجرأة. فمنذ لحظة خروجهم من الصندوق فهمت أن الأمر ليس مجرد هروب أطفال بل بداية صراع مع امرأة لا تعرف الرحمة.
وقفت بريندا واتخذت القرار الذي لم تكن تعلم أنها قادرة عليه
سنغادر المطعم. الآن.
قادت الأطفال من الباب الخلفي. كان الليل قد ابتلع الأزقة والهواء البارد يضرب جلودهم الصغيرة. سارت بهم عبر ممر ضيق لا يمر به أحد. وعندما ابتعدوا بما يكفي قالت لهم
هنا لن يجدنا أحد لبعض الوقت.
لكن جايل الذي بدا أكثر وعيا مما يسمح به عمره قال بثبات مخيف
كاساندرا لا تتوقف هي تعرف دائما.
رفعت بريندا رأسها نحو السماء كأنها تبحث عن شجاعة معلقة بين النجوم ثم أجابتهم بثقة استمدتها من الخوف نفسه
لن أسمح لها بلمسكم مهما حدث.
أمسكت أيديهم
قالت لهم وهي تحاول أن تبث فيهم الاطمئنان
هذا سيكون ملجأنا الليلة.
لكن ماتيو بصوت منكمش من الرهبة قال
كاساندرا تعرف كل شيء.
تجمدت بريندا لحظة. ثم فهمتلم يكن ما حدث في العلية مجرد حبس بل رسالة. رسالة من امرأة تعتقد أنها تتحكم في مصير الجميع.
لكن بريندا رفضت الفكرة. لم تكن تملك مالا ولا سلاحا ولا نفوذا. لكنها تملك شيئا لا يمكن شراؤه
الإصرار على ألا يتكرر معها ما حدث لها أيام طفولتها أن تكون منقذة لأطفال لم يجدوا من ينقذهم.
مرت الساعات بطيئة. لم يغمض لها جفن. كانت تستمع لأي حركة خارج البيت. رياح الليل تصرخ والباب الحديدي يئن مع كل هبة هواء. والأطفال رغم التعب كانوا ينامون متلاصقين كأنهم يخشون أن يختفي أحدهم إذا ترك يد الآخر.
ثم فجأة سمع صوت خطوات في الممر خارج الغرفة.
فتحت بريندا عينيها على اتساعهما. ارتجف جسدها كله.
ثم جاء الصوت.
صوت بارد عميق كأنه يتسلل من باطن
أين أنتم يا صغاري
تجمد الدم في عروق بريندا. تعرف هذا الصوت. تعرف تلك النبرة الهادئة التي تخفي خلفها شيئا لا يسمى.
إنه صوت كاساندرا.
اقتربت الخطوات شيئا فشيئا. ظهر ظل طويل أسفل الباب يمتد كأنه يد تبحث عن فريستها.
أمسكت بريندا يد ماتيو وهمست
اهدؤوا لا تصدروا صوتا.
ثم جاء الطرق.
طرقة طرقة طرقة
وصوت كاساندرا يهمس بطريقة لا يعرفها إلا من عايش الرعب
أنا أعرف أنكم هنا.
ارتعد الأطفال وكاد أنين خوفهم يفضح وجودهم. لم يتبق أمامها إلا حل واحد. أشارت نحو نافذة صغيرة تؤدي إلى سطح خلفي. سارعت إلى فتحها ودفعت الأطفال واحدا تلو الآخر ثم خرجت خلفهم مباشرة.
وفور أن هبطت على الأرض التفتت فرأت مشهدا جمد أنفاسها
كاساندرا كانت تقف في مدخل الزقاق.
تحدق فيهم دون أن تطرف.
وتبتسم.
ليست ابتسامة رحمة بل ابتسامة من يعرف أن اللعبة بدأت وأنه يمسك بأوراقها.
قالت بصوت هادئ
اللعبة بدأت يا بريندا وأنت لا تعرفين القواعد.
ثم اختفت داخل الظلام.
احتضنت بريندا الأطفال وهمست مؤكدة
لن أترككم أقسم لن أترككم.
لكنها كانت تعرف الحقيقة القاسية
ما رأته الليلة لم يكن إلا افتتاحية لظلام أكبر.
فالعلية لم تكن سوى الباب الأول.
أما الحرب الحقيقية مع كاساندرا
فلم تبدأ بعد.