طُرد الأب من بيته وسار وحيدًا على الطريق… لكن الصدفة التي جمعته بابنه كشفت خيانة العائلة كلها
كان المشهد على الطريق السريع صادما إلى حد يجمد الدم. رجل مسن يقف وحده تحت شمس تحرق كأنها مطرقة من نار لكنها لم تكن السبب في بكائه. كان الطريق السريع يمتد أمامي كخيط محموم يشق الأرض والسماء فوقه تشتعل بحرارة تضرب الوجوه كصفعة متعمدة. ورغم أن الشمس كانت تلهب كل شيء من حولي لم يكن ذلك ما جعل أنفاسي تتقطع وأنا أضغط على الفرامل بقوة حتى انزلقت سيارتي الفاخرة قليلا إلى اليمين.
ما رأيته هناك لم يكن عابرا.
رجل نحيل منحني الظهر يقف على حافة الطريق كأنما خرج من صفحة قديمة ممزقة من عمر كان أقوى من أن ينكسر. لكن أكثر ما صعقني لم يكن شكله ولا ثيابه الممزقة ولا العرق الذي يتصبب من جبينه بل تلك القبعة الرمادية التي أعرفها كما أعرف اسمي.
قبعة أبي.
تجمد الدم في عروقي لحظة بدت أطول من الزمن نفسه. خرجت من السيارة متجاهلا قيظ الشمس ورائحة الإسفلت المحترق. مشيت نحوه خطوة بعد خطوة وكل خطوة كانت تعيدني ثلاث سنوات إلى الوراء إلى اليوم الذي رحلت فيه عن سبتة مقتنعا أن أهلي سيظلون هناك كما تركتهم متماسكين هادئين ينتظرون اتصالا أو زيارة.
لكن السنوات
كنت أقول لنفسي إنهم مشغولون. كنت أكذب على ذاتي. الحقيقة أنني كنت خائفا من أن أسمع منهم شيئا لا أحتمله. فتركت المسافة تكبر ثم صارت جدارا ثم صمتا دام ثلاث سنوات.
وحين اقتربت منه رفع رأسه ببطء كأن رقبته لم تعد تحتمل وزن العمر. وحين نظرت إلى عينيه اختفى العالم من حولي.
أبي
خرجت الكلمة من فمي كأنني أنطقها للمرة الأولى.
اهتزت شفتاه مد يده المرتجفة ولمس ذراعي لمسة شخص يختبر الحقيقة بيده ثم شهق وانهار على ركبتيه.
حملته بين ذراعي كما يحمل المرء شيئا مقدسا تهشم. كان خفيفا خفيفا كمن ترك على الأرض أياما بلا ماء ولا نوم ولا دفء إنسان. أجلسته في السيارة فأمسك بزجاجة الماء وكأنه يشرب الحياة من جديد.
سألته بصوت لم أعرفه من نفسي
أبي ما الذي حدث أين الجميع
لم ينظر إلي. ظل يحدق في الزجاج الأمامي كأن الطريق الطويل الذي مشاه يشغل كل عقله. ثم قال بصوت متحشرج
طردوني يا بني
طردوني من بيتي.
انكمش صدري كما لو أن حديدا صب فيه.
من
إستير وإخوتك. أدريان وبرونو حتى فيرنندا. قالوا لي إنني صرت عبئا. وقعت أوراقا لم أكن أعرف أنها تمنحهم
وروى لي ما كان أصعب من أن يحتمله رجل نشأ على الاحترام والعمل والكفاح.
حكى كيف خدعته زوجته الثانية وكيف لعبت بعقول إخوتي حتى جعلتهم يرونه عائقا في طريق راحتهم. وكيف حولته من رب الأسرة إلى رجل يعيش في مخزن عفن. وكيف جمعته ذات يوم مع حقيبة ممزقة وأمرته بالخروج من البيت الذي بناه بيديه.
كان يتحدث وكل كلمة كانت تمزق شيئا داخلي.
قاطعته وقلبي يشتعل غضبا
وماذا فعلوا بصورتها صورة أمي
خفض رأسه كطفل أخطأ
مزقتها يا بني قالت إنها لا تستحق أن تبقى في البيت.
غرست أصابعي في عجلة القيادة حتى ابيضت. لم أكن أتصور أن القسوة يمكن أن تصل لهذا الحد. أن يمزق أحدهم ذكرى امرأة ماتت ولا يبقى منها سوى ورقة تمنح أباهم بعض السلوى.
ثم تابع
أخذوا دفتري الذي فيه رقم هاتفك. مزقه أدريان. قال إنني لن أراك مرة أخرى. خرجت إلى الشارع نمت في الحدائق. ثم ركبت العبارة ومشيت. لم أعرف الطريق. كنت أبحث عنك فقط
نظر إلي نظرة جعلتني أفهم أنه مشى مئات الكيلومترات لا لأنه قادر بل لأنه لم يبق له خيار آخر.
وحين وصلنا بيتي في مدريد رأيت كيف كانت ماريصول زوجة أبي الأولى المرأة التي ربتني كأم تستقبل الألم القديم في عينيه وتلمس وجهه كما لو أنها تلمس جرحا لا ينزف دما لكن ينزف عمرا.
في تلك الليلة حين جلس أبي مرتاحا لأول مرة منذ شهور دخلت مكتبي وأغلقت الباب. لم يكن هناك مكان للدموع ولا للارتباك. لم يكن هناك سوى الحسم.
فتحت الحاسوب وبدأت أرسل رسائل قانونية أحجز مواعيد أبحث عن أفضل محام في سبتة. لم يعد الأمر عائلة فقط صار معركة.
معركة لاستعادة ما سرق ولإعادة كرامة أبي إلى مكانها.
وفي اليوم التالي على طريق العودة إلى سبتة كان أبي جالسا بجانبي للمرة الأولى بلا خوف. لكنه لم يكن يعلم أنني لم آت فقط لأسترد ما له بل لأسترد نفسي أنا أيضا.
لأن ما فعلوه به
كان خيانة لي مثلما كان خيانة له.
ولم أكن مستعدا لأسامح أحدا.
ولا أنسى.
لم تكن الرحلة إلى سبتة مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى بل كانت عودة إلى مواجهة كل شيء هربت منه يوما. كنت أنظر إلى والدي من حين لآخر فأجده يحدق من النافذة كأنه يرى شوارع طفولته تسحب منه شبرا شبرا. كان يحاول أن يبدو قويا