طُرد الأب من بيته وسار وحيدًا على الطريق… لكن الصدفة التي جمعته بابنه كشفت خيانة العائلة كلها

لمحة نيوز

بما يكشف ما يخفيه.
حين اقتربنا من المدينة رأيته يشهق بعمق. لم تكن الشهقة خوفا بل شيئا يشبه الوجع مع حنين مختنق.
قال بصوت خافت
لم أتخيل أنني سأعود هكذا غريبا في بيتي.
وضعت يدي فوق يده وقلت
لن نكون غرباء في بيتك يا أبي الغرباء هم من جعلوك تغادره.
دخلنا سبتة وكانت الأزقة تفوح منها رائحة البحر والذكريات. كل زاوية فيها تحمل بصمات ماض لم أعد أعرف إن كنت أشتاق إليه أم أخشاه. وعلى مدخل الحي الذي نشأت فيه شعرت بالاختناق. هذه الشوارع كانت يوما ملعب طفولتي أما اليوم فهي شاهدة على خيانة كان يمكن أن تظل مخفية لولا أنني صادفت أبي على طريق محترق.
توقفت السيارة أمام البيت.
البيت الذي بناه أبي بعرقه. البيت الذي كان ملاذا لنا يوما. لكن النوافذ المغلقة والستائر الثقيلة أعطته مظهر قبر أكثر منه منزلا.
تمهل أبي قبل أن ينزل وقال بصوت متردد
هل هل سنطرق الباب مباشرة
نظرت إليه بثبات
لن نطرق. هذا بيتك. سندخل كما كنا ندخل دائما.
لكن قبل أن نصل إلى العتبة انفتح الباب.
ظهرت إستير.
كانت واقفة وذراعاها متشابكان على صدرها تنظر إلى أبي وكأنه
متسول عاد يطلب ما لا يستحقه. وعلى الرغم من أن الزمن لم يكن لطيفا معها إلا أن غرورها ما يزال يحجب كل شيء آخر.
قالت ببرود
ما الذي يعيده الآن
تقدمت خطوة نحوها وقلت بلهجة صارمة
عاد ليستعيد ما سرق منه.
رفعت حاجبها بسخرية
سرق هو من تنازل عن كل شيء بإرادته.
أجبتها
أرادته أم تحايلك
وقبل أن ترد ظهر أدريان ثم برونو. كلاهما ينظر إلى أبي كأنه حمل ثقيل عاد ليتدحرج فوق حياتهما المريحة.
قال برونو وهو يضحك بسخرية
ألم يكفك البقاء في الشوارع عدت الآن لتصنع دراما أخرى
أبي انكمش قليلا لكني تقدمت نحوه وقلت
لا أحد يتحدث معه بهذه الطريقة.
نظر إلي أدريان بعينين مليئتين بالتحفز
وهل كنت موجودا هنا أصلا تركتنا وغبت ثلاث سنوات والآن تأتي لتتصرف وكأنك المنقذ
لم أرفع صوتي لكن كلماتي خرجت كالسهم
غيابي لم يكن خيانة أما أنتم فأنتم من خنتم الرجل الذي منحكم كل شيء.
بدت على وجوههم لحظة ارتباك قصيرة لكن إستير قاطعتنا
كفى هذا المسرح. ليس له حق في شيء. لدينا أوراق تثبت ذلك.
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقلت
هذه الأوراق هي ما جئت من أجله.
تبادلا النظرات
ثم قالت إستير بقلق خفيف
ماذا تعني
أخرجت من حقيبتي ملفا مغلقا ووضعته على الطاولة الصغيرة في الردهة دون أن أدخل.
فتحته أمامهم ببطء.
قال أبي بصوت متوتر
ما هذا
قلت بثقة
بداية استعادة حقك. هذه شكوى رسمية مرفوعة للنيابة تتضمن تلاعبا استغلالا وإهمالا عمديا لرجل مسن. كل الأدلة هنا التسجيلات الشهادات الإفادات الطبية وحتى تقارير الجيران.
تغيرت ملامح برونو.
وقال بانزعاج
من أين حصلت على كل هذا
من المكان الذي يعود إليه الحق حين يسلب.
ثم نظرت لإستير مباشرة
ومن هنا فصاعدا كل كلمة كل خطوة كل تصرف محسوب.
ارتجفت شفتاها قليلا لأول مرة منذ سنوات.
أما أدريان فحاول استعادة توازنه
ظننتك أذكى من أن تدخل في حرب كهذه.
أجبته
الحرب بدأت حين طردتم أبي من بيته.
في المساء جلس أبي في غرفته القديمة التي أعادت ماريصول تنظيفها وتهويتها. كان يجلس على طرف السرير يمرر يده على الخزانة الخشبية كأنه يلامس ذكريات تبتسم له من بين الشقوق.
اقتربت منه وسألته
هل أنت بخير
أجاب بابتسامة حزينة
كنت أظن أنني فقدت كل شيء لكني الآن أعلم أنني ما زلت أملك أغلى
ما في الحياة.
ما هو
ابني.
جلست بجانبه فربت على كتفي وقال
لم أتوقع يوما أنك ستأتي إلى هنا وتعيدني إلى نفسي.
قلت
ما زال أمامنا الكثير يا أبي. غدا أول جلسة قانونية وسنثبت كل ما فعلوه.
هز رأسه بثقة لم أرها عليه منذ سنوات
أنا مستعد.
وفي اليوم التالي
وقفنا أمام المحكمة. وجوه كثيرة أصوات كثيرة والهواء ثقيل كأن المدينة كلها تحبس أنفاسها.
دخلنا القاعة وكانوا جميعا هناك إستير أدريان برونو. وجوههم مشدودة لكنهم يحاولون التظاهر بالقوة. أما أبي فكان يجلس بجانبي يرفع رأسه للمرة الأولى دون خوف.
بدأت الجلسة
وتدفقت الحقائق واحدة تلو الأخرى
التسجيلات الشهادات عمليات السحب المالية العقود المزورة كل شيء انهار فوق رؤوسهم كصواعق.
وحين انتهى المحامي من كلمته لم يكن هناك شك
الحقائق واضحة والظلم صار مكشوفا.
وحين رفعت الجلسة التفت أبي نحوي وقال بصوت مرتعش
لم أتخيل يوما أن العدالة قد تأتي لكنها جاءت.
قلت
بل نحن من أتى بها.
خرجنا من القاعة والسماء فوقنا صافية بطريقة لم أرها منذ زمن. كانت أشبه بصفحة جديدة لم نكن نحلم بها بل انتزعناها انتزاعا.

وكان أبي يمشي بجانبي
لا منكس الرأس
ولا مهموم الظل
بل رجل استعاد نفسه.
النهاية.

تم نسخ الرابط