عندما وقفت حماتي في الباب وفتح القدر لي طريقًا آخر
عندما وقفت حماتي في الباب وفتح القدر لي طريقا آخر
كنت في الأسبوع الثالث والثلاثين من حملي بتوأم عندما بدأت الانقباضات حادة مفاجئة ومتقاربة إلى حد مخيف.
كنت في الأسبوع الثالث والثلاثين من حملي بتوأم في تلك المرحلة التي يصبح فيها كل يوم أقرب إلى معجزة وأقرب في الوقت نفسه إلى تهديد صامت. استيقظت صباح ذلك الأحد القائظ في مدينة فينيكس والشمس قد بدأت تعلن حربها على الأرصفة قبل أن تبلغ السماء منتصفها. لكن الحرارة التي أربكتني لم تكن حرارة الطقس بل تلك الانقباضات المفاجئة الحادة المتتابعة التي باغتتني كما تباغت العاصفة شجرة يابسة.
تمسكت بإطار الباب لأحافظ على توازني وشعرت كأن العرق يتسلل من روحي قبل جسدي. ناديت زوجي إيفان الذي كان في المطبخ مع والدته مارغريت بصوت يخرج من حلقي مكسورا
إيفان أرجوك يجب أن نذهب الآن.
التفت نحوي واتسعت عيناه لحظة خيل إلي أنه سيهرع نحوي. لكن قبل أن يخطو خطوة امتدت يد والدته ثابتة وقاسية لتضع كفها على صدره وتمنعه من التحرك.
قالت بنبرة تكسوها سلطة اعتادت ألا تجادل
لا تبدآ بالهلع. إنها تبالغ كلما شعرت بشيء بسيط. لدينا مشوار إلى المول ويجب أن نذهب قبل أن يزدحم المكان.
حدقت بها مذهولة لم أفهم أي عقل يستطيع أن يتجاهل ألما كهذا. قلت بصوت متقطع
أنا لا أبالغ هناك خطب ما.
لوحت بيدها باستخفاف كأنني طفل يشكو من وجع مفتعل
النساء يضخمن الألم دائما. لو كنت في مخاض حقيقي لكنت تصرخين.
وانقضت علي انقباضة أخرى أشد من سابقتها جعلت ركبتي تفقدان قوتهما. سقطت على الأرض تقريبا أزحف نحو الأريكة ألهث وأحاول أن أرى أمامي رغم أن الرؤية كانت تتشوش شيئا فشيئا.
همست في محاولة أخيرة
إيفان ساعدني.
لكنه تردد.
تردد بينما كنت أمامه أنهار أنثني أرتعش وأكاد أفقد وعيي.
قال ببرود لم أعرفه فيه من قبل
لقد وعدت أمي سنذهب سريعا ونعود.
توقفت اللحظة. تجمدت الكلمات. لم أصدق أن الرجل الذي أقسم يوما أن يكون سندي اختار جولة في المول على حياتي. خرج هو ووالدته وتركا الباب خلفهما يغلق على جسدي المتعب كأنه يغلق باب النجاة.
لا أدري كم من الوقت مضى. كانت الانقباضات تتلاحق بقسوة تزداد كل دقيقة. حاولت الوصول إلى هاتفي لكنه انزلق تحت الأريكة. العرق أغرق ملابسي والدوار كان يبتلعني شيئا فشيئا. ومع آخر ما تبقى من قوة لدي زحفت نحو الشرفة الأمامية أتوسل في داخلي أن يراني أي أحد.
لا أعرف إن كانت دقائق أو ساعات
يا إلهي إيميلي! هل أنت بخير
كانت جارتي جينا. لم أرها من قبل إلا بشكل عابر لكنها في تلك اللحظة بدت كأنها اليد التي أرسلها القدر. لم تنتظر إجابة. أمسكت بي ورفعتني بصعوبة ثم سحبتني إلى سيارتها وفتحت مكيفها على أعلى درجة.
المشهد التالي كان ضوء المستشفى الأبيض يضرب وجهي وصوت ممرضة تصرخ
توأم! ضائقة جنينية! جهزوا غرفة العمليات فورا!
ثم تلاحقت كلمات أخرى
ضغطها ينخفض.
نقص أكسجين.
قيصرية طارئة.
والعالم كله من حولي يدور.
وفي خضم ذلك اندفع إيفان إلى الغرفة صوته يعلو كأن شيئا بسيطا قد أفسد يومه
ما هذا يا إيميلي هل تدركين الإحراج الذي تسببت به سحبوني من متجر مايسيز! قررت فجأة أن تلدي!
ساد الصمت. الممرضة تجمدت الطبيب باتيل أغمض عينيه بضيق واضح. لكن داخلي داخلي لم يعد كما كان. شيئا ما أشعلته تلك الكلمات.
الغضب لا بل اليقظة.
اقترب الطبيب منه وقال بنبرة آمرة
سيدي زوجتك في حالة حرجة. إذا لم تكن هنا لدعمها فاخرج فورا.
لكنه لم يصمت وأشار إلي بإصبعه وكأنه يوبخ طفلة
كان بإمكانك الاتصال بدلا من التمدد على الشرفة!
صرخ الطبيب
قلت يكفي!
دخلت جينا بعدها وهي تلهث
وجدتها
وقبل أن تكمل دخلت مارغريت وقالت بانفعال
لا تتدخلي! هذا شأن عائلي!
فأجابتها جينا ببرود حديدي
هذا شأن إنساني.
تم إبعاد الجميع عن غرفة العمليات وبقيت أنا في مواجهة الألم والخوف والوحدة.
كانت الجراحة فوضى من الأصوات المقطوعة. كلمات مثل
النبض ينخفض.
حضانة جاهزة.
نقص أكسجين.
يرن كل منها كسكين في الهواء.
وكل ما فكرت فيه كان جملة واحدة
طفلاي لا يستحقان هذا.
استيقظت بعد ساعات وأنا في غرفة الإفاقة ضوء خافت ينساب من نافذة صغيرة وهدوء ثقيل يحوم في المكان كأنه ينتظر نبضي إلى أن يستقر. أول ما رأيته كان حضانتين صغيرتين بجانبي بداخلهما طفلان نحيلان كأنهما كتبا بخط من الضوء. كانا ضعيفين لكنهما حيان وذاك وحده كان كافيا ليجعل دموعي تنفجر دون إرادة.
بكيت طويلا بكيت لأجل الخوف الذي ابتلعني ولأجل القوة التي لم أعلم أنها في داخلي ولأجل الحياة الصغيرة التي قاومت لتصل إلى هنا.
لم أشعر إلا بيد توضع على كتفي بلطف. التفت فوجدت جينا تجلس إلى جانبي على كرسي بلاستيكي لم يتحرك من مكانه منذ ساعات.
همست بصوت يشبه الريح
أنت ما زلت هنا
ابتسمت بهدوء جعل قلبي يلين
كان
قبل أن أكمل كلامي انفتح باب الغرفة بقوة