كان المشهد على الطريق السريع صادمًا إلى حد يجمد الدم
المحتويات
شيئا. كرامة أبي.
ارتعشت شفتاها. قالت بصوت حاد
انتبه لكلامك! هذا البيت ملكي. قانونا. ولدي أوراق تثبت ذلك!.
وقفت عند باب البيت الذي ولدت فيه البيت الذي كان يوما رمزا لدفء العائلة وعرق أبي ثم تحول على يد امرأة غريبة إلى ساحة للطمع. لم أسمح لصوت انفعالي أن يرتفع قلت بهدوء صلب
استمتعي بالبيت ما دمت قادرة فقد استعنت بأفضل محام في سبتة وسأستعيد كل شيء كل مسمار كل شبر كل سنتيمتر من هذه الأرض.
رأيت شفتيها ترتجفان كأنها تحاول أن تبتسم بسخرية لكنها لم تخف ارتباكها.
قالت وهي ترفع ذقنها
محام! وبأي حجة أبوك رجل عجوز خرف وقع بإرادته. القاضي نفسه سيضحك عليك.
لكني لم ألتفت لكلماتها فقد رأيت الحقيقة في مكان آخر
في عيني أدريان أخي الأوسط. كان الذعر يطل من داخله كأن كلمة واحدة قد تودي بما بنوه على الكذب.
قلت بثبات
لم آت من أجلها جئت لأتحدث مع إخوتي.
دفعت باب غرفة الجلوس. المكان كان صدمة. الأثاث الذي صنعه أبي بيديه والذي ظل يلمع رغم السنين اختفى تماما.
حل محله أريكة رخيصة وتلفاز ضخم يكاد يبتلع الجدار ورائحة نفاذة خليط من الغبار والطعام المتروك.
تمتمت
أدريان برونو كيف سمحتم بهذا هذا رجلنا أبوكم.
تقدم برونو وجهه متوهج بالغضب وكأنه طوال السنوات الماضية كان يخزن نيرانا لا يعرف مصدرها.
صرخ
ليس لك حق في الكلام! أين كنت ثلاث سنوات كنت تجمع الأموال في مدريد بينما نحن نتحمل مزاج أبي وتعبه ونوبات مرضه! أنت من تركتنا!
كان واضحا كيف بثت إستير سمومها فيهم.
وهي لم تتأخر في تأكيد ذلك إذ قالت بنبرة مخادعة وهي تلتفت إليهما
هو نال كل شيء أعطاه والدكم المنح الدراسية والفرص ومستقبلا في مدريد. أما أنتم فقد ترك لكم ورشة متهالكة.
نظرت إليها طويلا ثم قلت
كانت تلك الورشة إرثكم الوحيد وأنتم بعتموها بثمن الخردة. أليس كذلك
احمر وجه برونو أكثر ودفع الهواء كأنه يدفعني معه
اخرج! أنت غير مرحب بك هنا!
هززت رأسي بأسى وقلت بنبرة هادئة رغم كل ما يجتاحني
أنتم لا تعرفون ما فعلتم وستدفعون الثمن.
صرخت إستير وهي تشير إلى الباب
اخرج من بيتي الآن! وإلا اتصلت بالشرطة!
ابتسمت نصف ابتسامة وقلت
اتصلي. قولي لهم إن ابن صاحب البيت الحقيقي موجود هنا وقولي لهم أيضا أن يحضروا الموثق الذي ساعدك على تزوير الأوراق.
كان وقع الكلمات كصفعة. رأيت الارتباك يزحف على ملامحها ويهتز طرف شفتيها. أدركت ساعتها أن إصابة الهدف جاءت في الصميم.
قلت أخيرا
سنلتقي في المحكمة.
خرجت من البيت لكن غضبي لم ينطفئ. وبينما كنت أتجه إلى السيارة وقعت عيني على وجه مألوف في آخر الشارع
فيرنندا أختي الصغرى تجلس وحدها على مقعد صغير في الحديقة
اقتربت وقلت بهدوء
مرحبا يا فير.
قفزت واقفة فور سماع صوتي.
لياندرو! ماذا تفعل هنا سمعت الصراخ هل حدث شيء
نظرت إليها طويلا قبل أن أسأل
فيرنندا لماذا سمحت لهم أن يفعلوا هذا بأبي
امتلأت عيناها بالدموع فورا كأنها كانت تنتظر أحدا يكسر هذا الجدار الزائف حولها.
قالت بصوت مرتجف
لم أكن أعرف أقسم لك يا لياندرو! إستير قالت إن والدنا أصبح صعبا وأن ما تفعله لمصلحته وأنهم سيضعونه في دار رعاية جيدة صدقتها.
كانت كلماتها أشبه بطفل يتعلق بخشبة نجاة
وهمية.
لكن الواقع أعمق من ذلك.
قلت بنبرة موجعة
وصدقتها صدقت أن الرجل الذي أعطاك كل شيء صار عبئا حين طردوه إلى الشارع هل كان ذلك أيضا من أجل مصلحته
شهقت كأن الهواء انقطع عنها
لم أكن موجودة أرسلتني إستير إلى ملقة لشراء ملابس. وعندما عدت قالوا إنه رحل معك وأنه يعيش سعيدا في مدريد
كانت شبكة الأكاذيب محكمة وكل خيط فيها مربوط بإحكام حول رقبتهم.
قلت لها بوضوح
أبي لم يكن في دار رعاية وجدته بالأمس يمشي على الطريق يطلب توصيلة. كان يسير على قدميه إلى مدريد ليبحث عني.
تلقت الصدمة كضربة على صدرها.
لا مستحيل.
قلت
هذه هي الحقيقة يا فير. والآن أحتاج أن أعرف هل أنت معنا أم معهم
تركتها أمام السؤال ورحلت.
كانت تلك بلا شك أول ضربة تهز حصن إستير.
في تلك الليلة عدت إلى مدريد. المفارقة أن رفاهية البيت بدت في عيني كأنها سخرية موجعة.
أبي كان يستيقظ مذعورا وهو يصرخ
لا أرجوك! هذا بيتي!
كانت ماريصول تهرع إليه وتمسك بيده قائلة
غييرمو استيقظ. أنت بأمان الآن.
كان يرتجف وهو يهمس
رأيتها حلمت أن إستير جاءت لتأخذني.
ثم بدأ يحكي لها التفاصيل تفاصيل الجحيم البطيء الذي عاشه.
كان أبي يجلس على حافة السرير يحدق في الفراغ وعيناه متورمتان من الإرهاق. لم تكن ماريصول بحاجة لسؤاله فقد بدأت الحكايات تتدفق منه كأن أحدا فتح بوابة ظلت مغلقة طويلا.
قال بصوت متقطع
في البداية كانت أشياء صغيرة. تنسى دواء الضغط. تقول إنني أكرر الكلام. تسخر من خطواتي البطيئة ثم تبدأ بالعزلة. تغلق الأبواب. تمنعني من رؤية الجيران
كان يمرر يده على شعره كمن يحاول تذكر شيء ثقيل ثم أردف
توقفت عن الرد على مكالماتي. قالت إن أحدا لا يسأل عني وإنكم نسيتموني جميعا. صدقتها كانت تهدمني قليلا قليلا حتى لحظة التوقيع وقتها لم أكن سوى بقايا رجل.
كانت ماريصول تبكي بصمت وتربت على كتفه وهي تهمس
ذلك ليس ذنبك يا غييرمو تلك المرأة شيطانة بحق. لكنك الآن لست وحدك.
وقفت في الشرفة أتنفس هواء ثقيلا وأنا أمسك هاتفي لأتصل بالإنسانة الوحيدة التي بقيت متزنة في حياتي
سيسيليا خطيبتي المهندسة
ردت بصوت هادئ
مرحبا يا حبيبي.
قلت بصوت مبحوح يخفي جمرات rage
مرحبا يا سي
قاطعتني بقلق
ما الذي يحدث صوتك ليس بخير.
حكيت لها كل شيء من لحظة لقائي بأبي على الطريق حتى انهياره قبل دقائق.
لم أتوقف إلا عندما شعرت أن الكلمات بدأت تتكسر على لساني.
قالت بعد صمت قصير بنبرة تجمع بين الحنان والصرامة
لياندرو غضبك مفهوم لكن لا تدعه يلتهمك. أبوك بحاجة إليك قويا. وأنا هنا معك. لن تخوض هذا وحدك.
قلت محاولا التماسك
لكن عملك مشاريعك
قاطعتني بحزم لطيف
نحن فريق تذكر أنت ستعيد لأبيك حقه وأنا سندك في كل خطوة.
أغلقت الهاتف وقلبى أقل عتمة كأن كلماتها كانت حبل نجاة أعادني إلى سطح الماء.
في صباح اليوم التالي عدت إلى مكتب المحامي ساندوفال في سبتة.
حكيت له كل ما قاله أبي عن الإهمال المتعمد والطرد والتلاعب النفسي.
لمعت عينا الرجل وقال بجدية
هذا ليس نزاعا عائليا بعد الآن نحن نتحدث عن إساءة لكبير سن وهذا جرم. لدينا الآن ما يمكن أن نخنق به إستير قانونيا.
قلت
الوثائق التي استعملوها مشكوك فيها. أظن الموثق فاسد.
رد بثقة
فريقي يحقق معه فعلا. اسمه راميرو فارغاس وسمعته سيئة خاصة في قضايا التلاعب بسندات الملكية. سنضغط عليه.
ثم أضاف وهو يقلب ملفا آخر
لكن هناك مشكلة أكبر محققونا اكتشفوا أن إستير تتحرك بسرعة. أمس فقط عرضت البيت للبيع. الورشة بيعت بالفعل والأرض بيعت الأسبوع الماضي لشركة إنشاءات.
فتحت فمي من الصدمة
مستحيل هل تأخرنا
هز رأسه
قد نكون تأخرنا بشأن الورشة لكن ما زال بإمكاننا تجميد الأرض والبيت. إستير تحاول تصفية كل شيء وتحويله إلى مال قبل أن تختفي. ربما إلى المغرب أو إلى البر الرئيسي. علينا أن نتحرك الآن.
سألته
وكيف نبدأ
قال
سأرفع طلب تجميد عاجل اليوم نفسه.
ثم خطر لي شيء
خطيبتي سيسيليا مهندسة معمارية يمكنها فحص خرائط الأرض ومعرفة إن كان هناك تلاعب بسعر البيع أو الأوراق.
ابتسم الرجل وهو يغلق الملف
أحب طريقة تفكيرك يا لياندرو. استخدم كل مواردك.
بدأت الإجراءات فورا. رفع ساندوفال طلبا مستعجلا للمحكمة بينما أرسلت إلى سيسيليا نسخة من ملف الأرض.
مرت ساعات قليلة قبل أن تتصل وهي تلهث من شدة الصدمة
لياندرو هناك شيء غير طبيعي إطلاقا. الأرض بيعت بأقل من ثلاثين بالمئة من قيمتها السوقية! والشركة التي اشترتها تأسست قبل ثلاثة أشهر فقط والأغرب مدير الشركة هو ابن عم الموثق راميرو فارغاس!
كانت دائرة فساد كاملة
مغلقة بإحكام.
أرسلت نتائجها إلى ساندوفال الذي قال بنبرة حاسمة
هذا كنز قانوني. دليل تواطؤ مباشر. سنستخدمه فورا.
وفي نفس اليوم صدر قرار المحكمة.
توجه
كانت إستير واقفة في الحديقة تتحدث عبر الهاتف ترتسم على وجهها ابتسامة من يظن أنه انتصر قبل أن تبدأ المعركة.
تقدم الشرطي وقال بصوت رسمي
سيدتي هذا أمر قضائي. حساباتك البنكية مجمدة ومنع بيع هذه الملكية سار من الآن. وعليك المثول أمام المحكمة في الجلسة القادمة.
تجمدت ملامحها وكأن الزمن توقف عند الكلمة الأولى.
سقط الهاتف من يدها دون أن تشعر.
وبينما هي تحدق في الأوراق بفراغ وصلت شاحنة جديدة توقفت أمام البيت.
نزل منها أدريان وبرونو وكل منهما يحمل وجها مشتعلا بالقلق والارتباك.
رأى أدريان الشرطة فتراجع خطوة. أما برونو فكان كالبركان صرخ وهو يشير إلي رغم أني لم أكن موجودا هناك
إنه لياندرو! الخائن اللعين دمر كل شيء!
لكن إستير لم تعد قادرة على السيطرة.
صرخت في وجهه بغضب لم يسمعه أحد منهم من قبل
اصمت أيها الأحمق!
كانت تلك اللحظة
أول مرة تنهار فيها جدران المرأة التي ظنت أنها لن تهزم.
في تلك الليلة الثقيلة حين بدت المدينة وكأنها تكتم أنفاسها رن هاتفي من رقم مجهول. كان الصمت حولي كثيفا لكن الصوت الذي خرج من السماعة شقه كخيط صدئ
اترك الأمور كما هي يا مدلل الأغنياء.
لم أندهش بل جاء ردي باردا ثابتا لا يرتجف
أهذه أنت يا برونو
سمعت زفيرا غليظا ثم قال بصوت يختلط فيه التوتر بالغرور
لا أعلم عمن تتحدث فقط أحذرك. إستير لن تقف مكتوفة ونحن كذلك. تريد حربا ستحصل عليها.
وقبل أن أنطق بأي حرف أغلق الخط.
حدقت في الشاشة لثوان ثم ابتسمت تلك الابتسامة التي تأتي حين يدرك العقل أن الخوف لم يعد سيد الموقف. سجلت المكالمة على الفور وأرسلتها إلى ساندوفال محامي الذي طالما وصفته بأنه الرجل الذي يعرف كيف يحول الفوضى إلى شهود.
قرأها ثم قال بثقة جعلتني أتنفس بعمق لأول مرة منذ أسابيع
هذا ممتاز. تهديد مباشر دليل قاطع يظهر أنهم ينهارون من الداخل.
وفي سبتة كان الحصار الذي فرضناه يضغط عليهم ببطء لكن بثبات. فمع تجميد حسابات إستير لم تعد قادرة على دفع أتعاب محاميها ولا على إخفاء آثار ما فعلته. بدا أدريان كمن يعيش على حافة الهاوية وصوته حين كان يصرخ في أمه وصلني لاحقا
سيسجنوننا يا أمي! الموثق سيتكلم! سينتهي كل شيء!
لكن الضربة التي أسقطت آخر ما تبقى من قناعهم لم تأت منا بل من فيرنندا.
كانت صورة أبي على الطريق وهو يتكئ على عكازه لا تفارق ذهنها. ذلك المشهد ظل يطاردها ليلا ونهارا حتى دفعها لفعل شيء لم تتجرأ عليه من قبل. وفي تلك الليلة بينما كانت إستير تغط في نوم عميق تسللت فيرنندا إلى مكتبها بخطوات خفيفة تعرف وجهتها جيدا. كانت تحفظ رمز خزنة أمها الصغيرة
فتحتها وهناك تجمدت للحظات.
داخل الخزنة كشوف حساب بنكي في أندورا تظهر تحويلات متتالية مقنعة بمهارة بدائية ل nearly مئة ألف يورو. وبجانبها جواز سفر
متابعة القراءة