ترك 32,500 ريال فوق الخزانة ليمتحن أمانتها… ففعلت شيئًا لم يتوقّعه قلبه ولا كاميراته

لمحة نيوز

بالتهاب المفاصل والسكري وأن أختها جوليانا المعلمة في مدرسة حكومية تساعد بما تستطيع وأن ثلاثتهن يتناوبن على رعاية الطفلين 
عرف أنها طلبت سلفة لشراء دواء لميغيل ولإصلاح الثلاجة التي تعطلت في ذروة الصيف وأتلفت طعام الأسبوع كله 
أغلق الحاسوب ونهض واتجه نحو النافذة ألقى نظرة على قصره الواسع على الحديقة المرتبة التي نادرا ما وطئها على السيارات الفاخرة التي لا يقودها وعلى ذلك الصمت الثقيل الذي كان يسميه سلاما 
وشعر بشيء لم يشعر به منذ زمن 
الاشمئزاز من نفسه 
هو يملك كل شيء لكنه لا يملك شيئا 
بينما آنا التي بالكاد تملك القليل تملك في الحقيقة الكثير أطفالها عائلتها كرامتها وهدفها 
قضى الأيام الثلاثة التالية مأخوذا بفكرة واحدة لم يستطع العمل ولا التركيز كان يفكر فيها وفي رسالتها وفي تلك الأمانة الصافية التي ظن أنها انقرضت 
ثم اتخذ قرارا 
لن يساعد آنا بصدقة مهينة ولن يحمل إليها شيكا وابتسامة متعالية 
سيفعل شيئا آخر شيئا يليق بها وشيئا يغيره هو أيضا 
لأن مارسيلو سانتورو للمرة الأولى في حياته أراد أن يكون أهلا لقيمة رآها فيها 
اتصل بوكالة التنظيف يوم الاثنين وطلب آنا بياتريس بالاسم وأخبرهم أنه يريد التعاقد معها ليومين أسبوعيا بأجر يدفع لها مباشرة بلا وسطاء 
أبلغته الموظفة أن جدولها مكتمل لكنها ستحاول التنسيق 
رفع العرض مبلغ ثابت يدفع مقدما بلا خصومات 
بعد عشرين دقيقة جاء الرد 
آنا وافقت 
ستبدأ يوم الخميس 
أغلق الهاتف وتنفس بعمق 
لم يكن يعرف تماما ما الذي يفعله لكنه شعر أن عليه أن يفعل
شيئا 
الخميس التاسعة صباحا 
ضغطت آنا زر الاتصال عند البوابة 
هذه المرة رد هو بنفسه 
فتح لها الباب وانتظرها على المدخل 
صعدت الممر بالحقيبة القديمة نفسها والزي الأزرق الداكن ذاته والابتسامة المهذبة البعيدة 
صباح الخير يا سيد 
صباح الخير آنا تفضلي بالدخول 
دخلت وألقت نظرة سريعة على المكان 
تنفس مارسيلو بعمق كان قد درب نفسه على ما سيقوله لكن حين ظهرت أمامه بدت كل الكلمات غير مناسبة 
آنا أود أن أتحدث إليك قليلا قبل أن تبدئي إن أمكن 
بدت الدهشة في عينيها لكنها أومأت 
بالطبع يا سيد 
أشار إلى الأريكة جلست على طرفها مستقيمة الظهر ويداها متشابكتان في حجرها جلس هو مقابلها ساد صمت قصير 
ثم قال بصوت منخفض 
آنا أريد أن أطلب منك العفو 
رمشت بدهشة 
عفوا عن ماذا يا سيد
ابتلع ريقه 
في ذلك الخميس حين جئت أول مرة تركت المال فوق الخزانة عمدا فعلت ذلك مع كل من عمل هنا كنت أختبر الناس أريد معرفة من هو الأمين ومن ليس كذلك وأنت
توقف لحظة ثم تابع 
أظهرت لي شيئا كنت قد نسيت أنه موجود 
لم تقل آنا شيئا اكتفت بالنظر إليه بعينيها المتعبتين الطيبتين 
قضيت سنوات أؤمن بأن لكل إنسان ثمنا وأنه يكفي أن أجد ذلك الثمن لأعرف حقيقته وكنت مخطئا مخطئا جدا لأنك لم تنظري إلي كصاحب عمل فقط رأيت إنسانا قد يحتاج من يقيه تهاونه وهذا
تنفس بعمق 
هذا غيرني يا آنا بقدر لا أعرف كيف أصفه 
خفضت آنا نظرها وقالت بهدوء 
يا سيد أنا فقط فعلت الصواب الأمر ليس عظيما 
بل هو عظيم ومهم أكثر مما تظنين 
مال
إلى الأمام قليلا 
أعرف بعضا من حياتك لم أتطفل لكنني بحثت أعرف عن طفليك وعن والدتك وعن ساعات عملك الطويلة وأعرف أنك تكافحين لتحافظي على كرامتك ومع ذلك ومع وجود اثنين وثلاثين ألف ريال أمامك لم تلمسيها بل حميتني 
رفعت آنا بصرها وللمرة الأولى رأى في عينيها شيئا ليس غضبا ولا رفضا بل حزنا 
يا سيد أفهم أنك تريد مساعدتي وأنا أقدر ذلك لكنني لا أحتاج إلى شفقة أحتاج إلى عمل إلى أن أكسب رزقي بعرق جبيني لا أريد أن أكون مشروع إحسان 
شعر بانقباض في صدره 
أعلم يا آنا وأنا لا أساعدك من باب الشفقة أنا أحتاج أن أتغير ولا أعرف كيف أفعل ذلك وحدي 
تتغير في ماذا
في نفسي 
مرر يده على وجهه 
تحولت إلى رجل قاس يا آنا أختبر الناس كأنهم أشياء أحكم وأدين وأنت أريتني أن الخطأ لم يكن فيهم بل في 
سادت لحظة صمت ثقيل 
تنفست آنا ببطء ثم قالت 
ماذا تريد مني إذن يا سيد
نظر في عينيها وقال 
أريد صدقك ذلك الصدق الذي منحته لي في ذلك اليوم دون أن تقصدي ودون انتظار مقابل 
سكتت طويلا ثم أومأت 
حسنا لكن عملي يبقى كما هو لن أقبل بشيء لم أكسبه بجهدي 
ابتسم 
متفقون 
وفي تلك الغرفة الباردة بين مليونير مكسور من الداخل ومنظفة تخفي قوة نادرة ولد شيء ثمين 
الاحترام 
مرت الأسابيع التالية مختلفة 
كانت آنا تحضر يومي الخميس والجمعة لتنظيف البيت لكن مارسيلو كان حاضرا دائما لا كمراقب بل كإنسان يريد أن يفهم 
بدأت بينهما أحاديث قصيرة ثم أطول عن أطفالها عن طفولته عن أحلام قديمة وجراح لا ترى 
حكت له آنا عن يوم اكتشفت حملها
بميغيل كانت في السادسة والعشرين وعدها الرجل الذي أحبته بالزواج ثم اختفى بعد ثلاثة أشهر بكت يومين ثم نهضت لأنها لم تكن تملك رفاهية الانهيار 
وحكى لها هو عن أبيه الرجل القاسي رجل الأعمال الصارم الذي علمه ألا يثق بأحد ثم مات وحيدا في غرفة مستشفى تحيط به أجهزة لا تشبه البشر 
أخبرته آنا عن حلمها القديم أن تعود للدراسة أن تكمل الثانوية وربما تلتحق بكلية التربية فهي تحب الأطفال وترى التعليم عالما أنقى من حياتها المرهقة 
أصغى مارسيلو وقرر أن يفعل شيئا 
لم يخبرها لم يرد أن يضعها في موضع مديونية أو عرفان 
تصرف بصمت 
تواصل مع صديق يدير مدرسة خاصة وطلب منحه مقعدين دراسيين لميغيل ولوانا بمنحة كاملة شرح له وضع الأسرة تردد الرجل قليلا لكن مارسيلو أصر 
هذا ليس إحسانا بل استثمار في طفلين يستحقان المستقبل 
ثم اتصل بعيادة صحية خاصة واتفق على تأمين صحي كامل لآنا وطفليها والسيدة سيليا دفع التكلفة السنوية كاملة 
ثم جاء أصعب القرارات 
استشار محاميا مختصا في قضايا العمل وأعد عقدا رسميا لآنا راتب عادل حقوق كاملة إجازات تأمين لكنها لم تكن النهاية 
فتح صندوق استثمار باسمها ووضع فيه مئة ألف ريال كبداية يدر أرباحا ثابتة تكبر مع الوقت وتبقى ملكا لها وحدها 
كي لا تضطر يوما للاختيار بين دواء أو إيجار 
أعد كل شيء بصمت 
دون استعراض دون كلمات ودون انتظار شكر 
بعد ثلاثة أشهر دعاها مارسيلو إلى مكتبه دخلت آنا متوترة ظنت أنها على وشك أن تفصل أو أن خطأ ما قد حدث دون أن تنتبه له كان يجلس إلى الطاولة وإلى جانبه محاميه 
قال بصوت
هادئ 
آنا تفضلي بالجلوس 
جلست بيدين ترتجفان قليلا 
تابع كلامه 
لم
تم نسخ الرابط