في آخر فحصٍ دوريّ للحمل، حدّق الطبيب في شاشة السونار، ويداه ترتجفان
في آخر فحص دوري للحمل حدق الطبيب في شاشة السونار ويداه ترتجفان. بصوت خافت قال لي
عليك أن تغادري المكان فورا وأن تبتعدي عن زوجك.
وحين سألته عن السبب اكتفى بقوله
ستفهمين عندما ترين الأمر بنفسك.
ومنذ تلك اللحظة لم أعد إلى منزلي أبدا........
كان اللمس البارد المعقم لمجس السونار أشبه بكذبة. كنت من المفترض أن أرى طفلي لا نظرة الذعر الخالص في عيني طبيبي.
ما زلت أذكر التاريخ
الرابع عشر من أكتوبر. كان هواء عيادة الدكتور إيمرسون باردا تفوح منه رائحة المطهرات والورق العتيق. كنت في الأسبوع الرابع والثلاثين من الحمل متوهجة كما يقولون...
زوجي إيثان المهندس المعماري الناجح كان متأخرا كعادته. أرسل رسالة قصيرة
اجتماع مهم. أحبك. خذي صورا. أمر مألوف. لم أمانع
فالطفل كان عالما سريا لا أستطيع مشاركته حقا إلا مع نفسي.
كان الدكتور إيمرسون ذو الطباع الهادئة الذي اعتدت أن يهدئ مخاوفي صامتا على غير عادته ذلك الصباح. ضغط المجس على بطني
وظهرت الصورة الرمادية المألوفة على الشاشة. قال بصوت منخفض
كل شيء يبدو مثاليا يا سارة
وهو يراجع القياسات HC FL كل تلك الاختصارات التي تبشر بحياة سليمة.....
ثم توقف فجأة. يده الثابتة دائما بدأت ترتجف ارتجافة طفيفة رأيتها منعكسة على زجاج جهاز السونار. لم يعد ينظر إلى الشاشة....
بل إلى شيء خارج إطارها كأن دخيلا خفيا ظهر فجأة في الغرفة......
قلت
دكتور إيمرسون هل هناك خطب ما هل هناك مشكلة في الطفل...
لم يجب فورا. وضع المجس جانبا ومسح الجل عن بطني ثم غطى ساقي بالملاءة. لم يلتق بعيني. سار نحو الباب فتحه قليلا ألقى نظرة سريعة إلى الردهة
ثم أغلقه بهدوء وقام بقفله.
طعنة من الخوف اخترقت صدري. هذه لم تكن إجراءات عادية في عيادته الصغيرة وسط سياتل.
عاد إلي وعلى وجهه لم تكن هناك ملامح القلق الطبي
بل خوف رجل رأى خطرا محدقا.
انحنى وقال بصوت هامس متهدج
سارة عليك أن تغادري من هنا الآن. عليك الابتعاد عن زوجك.
شعرت وكأن الأرض تميد بي. زوجي إيثان الرجل الذي تقدم لي في باريس الذي يبني منزل أحلامنا في بلفيو
تمتمت ماذا تقول! هذا جنون! ماذا رأيت في السونار
ذهب إلى مكتبه وكتب شيئا بسرعة على ورقة صغيرة ثم طواها وأعطاها لي. قال بصوت متوتر
لا أستطيع إخبارك هنا ليس الآن.
تجمدت الكلمات في الهواء. شعرت بأن الغرفة تضيق وأنه لو لم يكمل جملته سأصرخ. لكنه اكتفى بأن أدار وجهه عني كما لو أن بقاءه للحظة إضافية داخل الحقيقة سيجعله ينهار.
وقفت ببطء ثقل بطني يسحبني إلى الأرض لكن خوفي كان يدفعني إلى الهرب. تناولت حقيبتي وأنا أرتجف ثم خرجت من غرفة الفحص بخطوات متقاطعة لا أعرف كيف حملتني قدماي إلى الخارج. الباب الزجاجي للعيادة أغلق خلفي بصوت بدا أعلى من اللازم كأنه إعلان بأن حياتي التي أعرفها انتهت لتوها.
ركبت سيارتي. المطر بدأ يطرق
لماذا يجب أن أبتعد عن زوجي
فتحت الورقة أخيرا.
سطور قليلة لكنها طعنت كل ما تبقى في من أمان
هناك تطابق جيني كامل بين جنينك وطفل آخر التطابق مقصود. زوجك يعرف وسيحاول استكمال الأمر بأي ثمن.
قرأت الجملة أكثر من مرة. لم أفهمها في البداية. طفل آخر! أي طفل!
ثم انتزع قلبي نفسه فجأة من بين ضلوعي
ذكريات هامسة لم أنتبه لها يوما انطلقت كالسكاكين
تلك الليلة التي أخبرني فيها إيثان أن عائلته لا تزورنا ظروف شخصية كما قال.
الملفات الطبية التي أخفاها داخل الدرج المغلق.
الشرود الطويل في عينيه حين يسمع كلمة أطفال.
حدت من تنفسي كي لا ينهار عالمي في لحظة واحدة.
اتصلت بالطبيب فورا. رد بعد رنين طويل وصوت متقطع كأنه يخشى أن يسمع
سارة هل غادرت
نعم أريد أن أفهم! أي طفل آخر عن ماذا تتحدث
تنفس ببطء كمن يستجمع شجاعته
إيثان لديه طفل من زواج سابق. الطفل مريض بشدة لوكيميا عدوانية. يحتاج زرع خلايا جذعية في أسرع وقت.
أغلقت جفني بقوة.
طفل مريض طفل يصارع الموت
وجنين داخل رحمي قد يكون خلاصه
يا للهول
تمتم الطبيب
زوجك حاول مرارا البحث عن متبرع. لم يجد. طفلك قد يكون الأخير.
لم أستوعب.
وما علاقتي أنا لماذا لم يخبرني لماذا
صمت ثم قال بجملة كانت كالخنجر
لأن حملك ليس صدفة يا سارة بل خطة. أنت مختارة بعناية متوافقة وراثيا لإنتاج جنين متطابق. وهو يحتاج طفلك فور الولادة قبل
انحبست أنفاسي.
هل أحبني أم اختارني
هل كنت زوجته أم وسيلة
قلت بصوت باك
لن أسمح لأحد أن يمس طفلي
لكن الطبيب قاطعني سريعا
اسمعيني جيدا أنا لا أقول إنه شرير. إنه أب في سباق مع الزمن. الخطر الآن ليس أنه سيؤذيك بل أنه سيتجاهل حالتك تماما لو تدهورت أمامه.
أي حالة
لديك بداية تسمم حمل شديد الضغط عندك مرتفع جدا. أقل توتر قد يقتلك أو يقتل الجنين. وأخشى أنه لو عرف كل شيء الآن قد ينهار أو يخسر السيطرة وربما يأخذك بالقوة لإتمام العملية.
دموعي انهمرت بلا مقاومة.
إثنان أنا وطفلي ندفع نحو الهاوية.
وثالث ينتظر نجاته على حسابنا.
قلت بصوت مرتعش
ماذا أفعل
اتجهي فورا للمستشفى الجامعي الجناح C. أنا في الطريق. لا تعودي للمنزل. ولا تردي على مكالماته.
نظرت إلى هاتفي
رسالة جديدة من إيثان
خلصت الشغل وهكون في البيت بدري وحشتيني.
كلمات كان يمكن أن تطمئن قلب أي امرأة
لكنها الآن كانت تخيفني أكثر مما تطمئنني.
مسحت دموعي وقلت للطبيب
أنا في الطريق.
وقبل أن أغلق قال بنبرة أبوية خافتة
سارة لا تلومي نفسك. ولا حتى طفله. كلهم ضحايا هذا الوضع.
أغلقت الهاتف وضعت يدي على بطني وقلت لجنيني
سامحيني نحن الاثنين بريئون من كل هذا.
أدرت محرك السيارة ببطء.
كانت الشوارع زلقة والمطر غزيرا
لكن الخوف كان أقوى من كل العواصف.
ومع أول منعطف
رأيت سيارة سوداء تقف قرب الرصيف
والزجاج الأمامي يفتح ببطء
إيثان.
ينظر إلي
مبتل
رفع هاتفه أمامه واتصل بي.
هاتفى يهتز في يدي
نبض طفلي يتسارع
حاولت