كان في الخامسة من عمره حافي القدمين. قفز في النهر المتجمد لإنقاذ المرأة العجوز
كان في الخامسة من عمره حافي القدمين. قفز في النهر المتجمد لإنقاذ المرأة العجوز. بعد ساعات، اكتشف أن ابنها هو من رماها فيه ليقتلها.
كانت المياه شديدة البرودة، لكن ذلك لم يمنع صبيًا بالكاد يبلغ الخامسة من عمره. في عصر ذلك اليوم، وبينما كان الكبار يمرون متظاهرين بعدم سماع الصراخ، كان هو الوحيد الذي قفز في النهر دون تردد. حافي القدمين، وملابسه القديمة تلتصق بجلده وقلبه ينبض كالطبل، سبح ضد التيار ليصل إلى امرأة تغرق كالصخر.
لم يفهم أحد كيف استطاع ذلك الجسد الصغير، المغطى بالجوع والندوب، أن يسحبها إلى الشاطئ، لكن هذا ما حدث. عندما استيقظت المرأة غارقةً في الماء، ترتجف، لا تفهم ما حدث، رأت عيني الصبي الذي أنقذ حياتها واسعتين مذعورتين. لم تكن تعرف اسمه، ولا من أين أتى. لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا: ذلك الصبي على قيد الحياة بمعجزة، وهي كذلك.
ما لم يتخيله أحد هوية تلك العجوز الحقيقية. لا الصبي، ولا أمه، ولا الجيران الذين كانوا يراقبون من بعيد. بالنسبة لهم، كانت مجرد امرأة عاجزة، تائهة، ربما مهجورة... لكن قلادتها الذهبية، وساعتها الثمينة، وطريقة كلامها كشفت أمرها.
أخذها إنزو الصغير إلى منزله، كوخ قديم مبني من خشب مكسور وسقف من الصفيح. أجلسها بجانب نار هادئة، حيث كانت والدته تسخن الماء في قدر قديم مليء بالبقايا. وبينما كانت المرأة تلتقط أنفاسها، رأى لأول مرة كيف يعيش أولئك الذين قرروا إنقاذها دون انتظار أي مقابل.
في تلك الليلة، بدأ شيء قوي يتغير، لأن تلك العجوز لم تكن امرأة
كان إنزو في الخامسةِ من عمرهِ فقط، لكن حياته كانت بالفعلِ مُلطخةً بالفقرِ والجوعِ ونهرٍ أخذَ منه الكثير. عاشَ مع والدتهِ لورينا في كوخٍ خشبيٍّ قديمٍ على بُعدِ أمتارٍ قليلةٍ من الماء. كان السقفُ يتسربُ، والجدرانُ تُصرُّ في الريح، ومع ذلك، كان ذلك منزلَهم. كلَّ صباحٍ، كانت لورينا تخرجُ لغسلِ ملابسِ الآخرينِ لكسبِ بعضِ النقود، بينما كان إنزو يجمعُ الحطبَ، ويبحثُ عن الطعامِ، ويعتني بالحديقةِ الصغيرةِ التي بالكادِ تُنتجُ ما يكفي لمنعِهم من النومِ جائعين.
كان النهرُ خطيرًا، قاسيًا، لا يُتوقعُ مسارُه. لقد أخذَ والدَ إنزو حتى قبلَ ولادته. لهذا السببِ قالَ الجميعُ إنه يجبُ على الصبيِّ الابتعادَ عن الماء. لكن أحيانًا يولدُ الأبطالُ حيثُ لا تتوقعُهم. لم يكن إنزو يعرفُ شيئًا عن القوةِ، ولا عن الثروةِ، ولا عن السلطةِ؛ لم يكن يعلم إلا ما علّمته إياه والدته:
حياة الآخرين تساوي حياتك.
عندما وصلت تلك العجوز إلى وجهتها، مستلقية في الماء كما لو أن العالم قد نسيها، لم يكن هناك وقت للتفكير. ما حدث بعد ذلك غيّر ليس حياة تلك المرأة فحسب، بل حياة إنزو وأمه أيضًا بطرق لم يكن أحد ليتخيلها.
كانت العجوز تنظر حولها في ذهول، كأن عقلها لم يستوعب بعد أنها نجت من الموت. الجمر يتوهّج في الموقد، وبخار الماء يتصاعد من الإناء الصغير بينما تحاول لورينا تهدئة رعشات
قالت لورينا بصوت خافت مطمئن:
ــ أنتِ بخير الآن. اشربي هذا وسيعود الدفء إليكِ.
تناولت العجوز الكوب بيد مرتعشة، ثم رفعت عينيها إلى الطفل الذي جلس قريبًا منها، يراقبها بصمت وقد التصقت ثيابه البالية بجلده من أثر الماء.
سألت بصوت مبحوح:
ــ ما اسمك يا صغيري؟
ردّ بخجل وهو ينظر إلى الأرض:
ــ إنزو.
ابتسمت ابتسامة باهتة، وكأن اسمه أعاد لها قليلًا من الأمان:
ــ شكرًا لك يا إنزو… لقد أنقذت حياتي.
لم يعرف الطفل ماذا يقول. بالنسبة له، ما فعله أمر طبيعي… إنسان يغرق، فيجب إنقاذه.
تدخّلت لورينا وهي تضع غطاءً إضافيًا فوق جسد المرأة:
ــ كيف سقطتِ في النهر يا حاجة؟ هل حدث شيء؟
لم تجب العجوز فورًا. للحظة قصيرة، بدت عيناها وكأنهما تحملان خوفًا أعمق بكثير من مجرّد حادث عرضي. ثم تمتمت:
ــ لا أدري… ربما انزلقت قدمي…
لكن كلماتها لم تكن مقنعة لا للورينا ولا للطفل الذي لاحظ التردّد في صوتها.
مرّت الدقائق، وبدأت العجوز تستعيد لون وجهها شيئًا فشيئًا. لكن عقلها ظلّ مشغولًا بذكرى السقوط… أو بالأحرى، الدفع. فكلما أغمضت عينيها، رأت يدًا قاسية تدفعها بقوة نحو الماء.
يومها، تذكّرت آخر كلمات سمعتها قبل أن تسقط:
“انتهي الأمر… أمي.”
ارتجفت العجوز، فلاحظ إنزو ذلك وسألها ببراءة:
ــ هل أوجعكِ النهر؟
نظرت إليه طويلًا… كأنها تحاول أن تفهم كيف يمكن لقلب صغير أن يكون بهذا النقاء والجسارة رغم الفقر الذي يطوّقه.
وفي تلك اللحظة، دقّ باب الكوخ طرقًا حادًا ومفاجئًا.
انتفض الجميع.
التفتت العجوز نحو الباب
تقدمت لورينا بحذر، فتحت الباب قليلًا… فإذا برجل يقف في الخارج، أنيق الثياب، ينظر خلفها بتوتر.
قال بلهجة سريعة:
ــ أبحث عن امرأة مسنّة… ضاعت فجأة قرب النهر.
نظرت لورينا نحو ضيفتها. العجوز كانت تحدّق بالرجل وعيناها تتسعان هلعًا.
هزّت رأسها لورينا بخفة دون أن يراها الآخر، وكأنها تقول للصغيرة: لا تظهري نفسك.
سألته لورينا:
ــ وكيف تبدو هذه المرأة؟
قال وابتسامة جافة تعلو وجهه:
ــ شعرها أبيض… ترتدي معطفًا ثقيلًا… ولديها ساعة ذهبية في معصمها.
الساعة… نفس التي تلمع الآن عند يد العجوز.
أدركت لورينا الحقيقة فورًا.
ردّت بحزمٍ هادئ:
ــ لم نرَ أحدًا. ربما عليك أن تواصل البحث في الجهة الأخرى من النهر.
رمقها الرجل بنظرة شكّ، ثم ابتعد دون كلمة أخرى، لكن خطواته الثقيلة كانت تحمل في كل واحدة منها تهديدًا صامتًا.
أغلقت لورينا الباب جيدًا، ثم عادت إلى الداخل.
كانت العجوز تبكي بصمت.
اقتربت منها لورينا:
ــ من يكون ذلك الرجل؟ ولماذا تبحثين عن الاختباء؟
أجابت العجوز بصوت متقطع:
ــ ذاك… ابني.
ساد الصمت… صمتٌ ثقيل كالحقيقة التي سقطت فجأة على المكان.
تابعت العجوز:
ــ أراد قتلي. ابني الذي ربّيته بيديّ… رماني في النهر ليغرقني. يريد كل ما أملك… ممتلكاتي، بيتي، أوراقي… قلبي الذي لم يعد له مكان فيه.
شهقت لورينا في صدمة لم تستطع إخفاءها.
أما إنزو فلم يفهم كل شيء، لكنه أدرك شيئًا واحدًا:
أن الخير الذي صنعه لم يكن بسيطًا… وأن الخطر لم ينتهِ.
قالت العجوز وهي تمسك يد الطفل:
ــ أنت لست