كان في الخامسة من عمره حافي القدمين. قفز في النهر المتجمد لإنقاذ المرأة العجوز
أن يأتيني الخلاص من طفل فقير، بينما أُهلك على يد ابني الثري.
كانت كلماتها تخرج مشبعة بمرارة السنوات وموت الثقة.
ولأول مرة، شعر إنزو بثقلٍ ما… ثقل مسؤولية لم يختَرها، لكنها اختارته.
رفعت العجوز رأسها نحو لورينا:
ــ أرجوكِ… دعوني أبقى هنا الليلة فقط. غدًا… سأجد طريقة لأرحل بعيدًا. لا أريد أن أسبب لكم المتاعب.
نظرت لورينا إلى عيني المرأة… إلى خوفها الحقيقي… وإلى الطفل الذي كان سبب وجودها هنا. ثم أجابت بحزم:
ــ ستبقين ما دمتِ بحاجة للبقاء. لن أترك امرأة تموت خوفًا أو جوعًا… ولا طفلًا يندم على خير فعله.
كانت الريح تزمجر بالخارج، والمطر بدأ يتساقط بشدة.
لكن داخل ذلك الكوخ البسيط، كان هناك دفء مختلف… دفء إنسانية صادقة.
لم يكن أحد منهم يعلم أن هذه الليلة… مجرد بداية لقصة أكبر.
قصة ستكشف وجوهًا مخفية، وقلوبًا سوداء، وأسرارًا مدفونة بين الثروة والفقر.
وإنزو…
ذلك الطفل الصغير…
كان على وشك أن يكتشف أن العالم أكبر بكثير من النهر.
حلّ الصباح ببطء، يجرّ خلفه ضبابًا رطبًا يتسلّل من شقوق الجدران. استيقظ إنزو مبكّرًا كعادته؛ اعتاد أن يسبق الشمس في كل شيء، في البحث عن الحطب، وفي مواجهة الحياة قبل أن تشتدّ قسوتها. نظر إلى العجوز النائمة قرب النار، وغطاءٌ خفيف يحمي جسدها الضعيف.
بدت أكثر هدوءًا… لكن النوم لا يمحو الخوف.
خرج الصبي إلى الخارج ليجمع بعض الحطب، وما إن ابتعد خطواتٍ قليلة حتى لمح أثر أقدام في الطين، حديثة… ثقيلة… متجهة نحو الكوخ.
ركض إنزو عائدًا، ودخل وهو يلهث:
ــ أمي… هناك من زار المكان قبل قليل.
تبادلت لورينا نظرة سريعة مع العجوز التي فتحت عينيها على خبر كانت تخشاه.
قالت المرأة بصوت خانق:
ــ لن يتوقف… لن يهدأ حتى يتأكد أنني تحت التراب.
اقترب إنزو منها، يمدّ يدًا صغيرة مرتبكة، لا تعرف ماذا تفعل لتبدّد هذا الرعب.
سأل بصوت منخفض:
ــ لماذا يريد قتلك؟ أنتِ أمّه…
تنهدت العجوز بعمق، وكأنها تفرغ عمرًا من الحزن:
ــ الطمع يا بني… حين يتغذّى القلب على المال، يموت الشعور بالدم. ابني الوحيد… لم يعد يرى فيّ سوى عائق بينه وبين ما يريد.
قالت لورينا بحزم:
ــ إذًا يجب أن نذهب إلى الشرطة.
هزّت العجوز رأسها سريعًا:
ــ لا! لديه علاقات… سيحوّل كل شيء ضدي، وسأختفي دون أن يعرف أحد ماذا حدث لي.
ساد الصمت.
كانت المسألة أخطر من قدرة ثلاثة فقراء على حلّها… ومع ذلك، لم يكن أمامهم طريق آخر إلا المواجهة بطريقتهم البسيطة.
أمسك إنزو يد أمه وقال بثبات لم تعرفه فيه من قبل:
ــ لن أدع أحدًا يؤذيها.
ابتسمت المرأة بابتسامة حزينة، كأنها ترى في الطفل ما فقده ابنها منذ زمن.
جلست ثم فتحت القلادة المعلّقة في عنقها، وأخرجت منها ورقة صغيرة مطوية بعناية.
قالت:
ــ هذه وصيّتي… كل ما أملك مسجّل في هذه الورقة. أردت أن أمنحه كل شيء في يوم من الأيام… لكنه لم يصبر حتى أحيا ما تبقى لي.
ناولتها لورينا بخوف:
ــ ولماذا تخبريننا بهذا؟
أجابت
ــ إن حدث لي شيء… سلّموها لرجل واحد فقط… صديق قديم سيعرف كيف يتصرّف. سيظلّ يبحث عني ما بقيت غائبة.
ثم نظرت إلى إنزو:
ــ وأنت يا صغيري… أنت أول من وقف إلى جانبي… لن أنسى لك هذا.
طرق شديد على الباب.
قفز الطفل من مكانه، وتجمّدت العجوز مكانها كطير حاصرته الأيادي.
فتحت لورينا النافذة الصغيرة، فإذا بالرجل نفسه يقف أمام الباب ومعه رجلان آخران، وجوههم قاسية، لا تحمل أي نية للخير.
صرخ بصوت غليظ:
ــ أعلم أنها هنا! افتحي الباب يا امرأة وإلا كسّرناه على رؤوسكم!
ارتجفت يد العجوز، فمسكها إنزو بقوة وقال:
ــ لا تخافي.
أشارت لورينا للعجوز كي تختبئ في الغرفة الخلفية. أسرعت المرأة إلى هناك وهي تلهث.
حاولت لورينا أن تبقى صامدة… لكن الباب اهتزّ بضربات عنيفة.
في تلك اللحظة، خطر ببال إنزو فكرة سريعة.
خرج من نافذة خلفية صغيرة، واختبأ خلف الأشجار، ثم انطلق راكضًا نحو النهر بكل قوته.
كان يعرف أين يعيش شيخ القرية… الرجل الوحيد الذي يحترمه الجميع، والذي لا يجرؤ أحد على تحدّيه.
كان الركض مؤلمًا لقدمين صغيرتين حافيتين… لكنه لم يتوقف.
حين وصل، طرق الباب برجاءٍ يائس:
ــ يا عمّي! أرجوك… هناك من يريد قتل امرأة في منزلنا!
فتح الشيخ الباب في دهشة، ورأى الذعر في عيني الطفل، فلم يسأله كثيرًا.
جمع الرجال بسرعة، واتجهوا جميعًا نحو الكوخ.
عند الوصول، كان الرجل وابناه قد اقتحموا المكان… وصوت العجوز يعلو من الداخل وهي تصرخ مستنجدة.
صرخ الشيخ بصوت اهتزت
ــ قفوا! أيّ حقٍّ لكم أن تعتدوا على امرأة داخل بيت آمن؟!
تراجع الرجال الثلاثة خطوة، فقد اعتادوا أن يُسمع كلامهم… لكن هذه المرّة، هناك من هو أقوى من المال… قوة الاحترام.
رفع الشيخ عصاه محذرًا:
ــ إن اقترب أحدكم خطوة واحدة… لن يخرج من هنا سالمًا.
خرجت العجوز باكية، وأمسكت بيد إنزو الذي عاد خلف الرجال، وضمّته كأنها تضم الحياة نفسها.
حاول ابنها تبرير فعلته، لكنه تعثّر في كذبه أمام عيون الجميع.
لم يكن بإمكانه مواجهة الحقيقة…
أن النهر الذي حاول أن يبتلع أمّه… لفظ نجاتها أمام طفل فقير.
اقتادوه إلى السلطات، وهناك بدأت الحقائق تتكشف… وشهد الجميع بما رأوه وسمعوه.
وخرجت العجوز من العاصفة أقوى مما دخلتها.
في الأيام التالية، عادت إلى منزلها الكبير… لكن هذه المرّة لم تكن وحدها.
أصرت على أن ترافقها لورينا وإنزو، فقد أصبحت بينهما رابطة لا يفهمها سوى من رآها تولد من فعل خير خالص.
وقفت العجوز أمام الطفل، ومسحت على شعره بحنان:
ــ أنت لم تنقذ حياتي فقط… لقد أنقذت قلبي من خاتمة مخزية. سأظلّ مدينة لك ما حييت.
ثم قالت وهي تبتسم بصدق:
ــ أخبرتك لورينا أنك ستصير شخصًا عظيمًا… واليوم بدأ طريقك.
رفع إنزو رأسه نحوها، وتلك الملامح الصغيرة التي كانت لا تعرف من الحياة سوى الجوع والخوف… ازدانت بشيء جديد:
الأمل.
لم يكن يفهم معنى المال ولا الوصية ولا الخيانة…
لكنّه فهم أمرًا واحدًا:
أن فعل الخير، مهما بدا صغيرًا…
قد يغيّر مصيرًا كاملًا.
وهكذا…
بات طفل النهر الذي قفز بلا تفكير لإنقاذ امرأة تغرق…
جزءًا من حكاية ستُروى طويلًا.