أعادوها إلى العاصفة طفلة فعادت لهم امرأة لا تُقهر

لمحة نيوز

من الرماد لذلك لم يكن الرجوع إلى سيدار سبرينغز عودة إلى الضعف بل مواجهة مستحقة 
كلما اقتربت من البلدة تداخلت ذكريات كثيرة وجه أمها المحتقن بالغضب صمت أبيها خطواتها المرتجفة في تلك الليلة وضوء عيادة روث الدافئ الذي أنقذها من الضياع شعرت بأنها تمسك بزمام لحظتين في وقت واحد لحظة كانت فيها طفلة وحيدة تتحسس طريق الهرب ولحظة أمرأة تعود لتقرر مصيرها 
وحين دخلت الشارع القديم بدت تفاصيل كثيرة كأن الزمن لم يمسها الأرصفة المتشققة التي كانت تلعب فوقها وهي صغيرة الأرجوحة الخشبية في حديقة الجيران رائحة المخبز الصغير حيث كانت تساعد أمها بعد المدرسة لكن شيئا واحدا تغير تماما
إميلي نفسها 
كانت خطواتها ثابتة قلبها واعيا ونظرتها مختلفة ليست نظرة منكسرة بل نظرة إنسانة تعرف قيمتها 
توقفت السيارة أمام منزل أمها بدا باهتا وقد التهم الزمن ألوانه أخذت إميلي نفسا طويلا ثم التفتت إلى ليلي التي كانت تنظر من النافذة بفضول ممزوج بالخوف أمسكت يدها وقالت 
مهما حدث أنت معي وهذا يكفيني 
فتحت باب السيارة واقتربت من الباب الخشبي القديم لكنها لم تحتج إلى طرقه انفتح من تلقاء نفسه ظهرت والدتها هزيلة شاحبة وعيناها متسعتان بدهشة حقيقية 
همست 
إميلي لقد جئت 
كان صوتا باهتا كسيرا خاليا
من تلك القسوة التي مزقت طفولتها وبعد لحظات ظهر والدها خلفها طويلا كما كان دائما لكنه بدا أكثر انكسارا كأن السنين أثقلت ملامحه وأطفأت صوته 
قال بلهجته الجافة التي لم تتغير كثيرا 
إذن قررت أن تعودي أخيرا 
لم تجبه رفعت ليلي بين ذراعيها كأنها ترفع درعا يحمي قلبها ثم قالت بثبات لا يقبل الجدل 
لم آت من أجلكما جئت لأن أحدا مريض ولأن لي الحق في معرفة من سيكون جزءا من حياة ابنتيإذا كنتم تستحقون ذلك 
كان شقيقها يقف عند آخر الممر ينظر إليها بوجه يحمل الندم كله 
قال بصوت خافت 
إميلي أمي
لكنها رفع يدها لإيقافه 
ليس الآن لديكم أربعة عشر عاما لتشرحوه ولن أستمع إلى كلمة تسامح واحدة قبل أن أسمع الحقيقة كاملة 
امتلأت عينا أمها بالدموع وانخفض صوتها إلى همس 
كنت خائفة خائفة من الناس من كلامهم من أن أخسر كل شيء لم أعرف كيف أتصرف لم أدرك أنك كنت قوية بهذا الشكل 
شعرت إميلي بوخز مؤلم في صدرها كان جزء منها يريد أن يصدق وجزء آخر يرفض أن يمنحهم الغفران بسهولة 
قالت بصرامة هادئة 
أنتم لم تعتقدوا أنني سأعيش لكنني عشت وربيت ابنتي وبنيت حياة كاملة بدونكم الآن أنا من يحدد الشروط 
دخلت البيت ووضعت حقيبتها بينما كانت ليلي تشد على يدها تشعر بالتوتر المتطاير
في الجو كان البيت نفسه لكن كل شيء فيه يبدو مختلفا الجدران أقل خوفا الأثاث أقل قسوة أو ربما قلبها هو الذي تغير 
بعد دقائق دعتها والدتها إلى غرفة الجلوس جلس الجميع وقد بدا أن الهواء نفسه ينتظر الانفجار كانت لحظة ثقيلة كأن أربع عشرة سنة من الغضب والصمت تجمعت فيها 
بدأت الأم الكلام صوتها يرتجف 
عندما اكتشفت أنك حامل شعرت أن الدنيا انتهت لم أستطع احتمال فكرة ال وسمعت نصائح كثيرة كلها كانت تدفعني لطردك كنت غارقة في خوف أعمى 
أطرق الأب برأسه وقال بصعوبة لم تعهدها إميلي فيه قط 
لم أكن أعرف كيف أحبك وأنت تمرين بشيء لم أفهمه كنت أظن أن الشدة ستحميك لكنني كنت مخطئا جدا 
أما شقيقها فقال وهو لا يرفع عينيه 
كنت صغيرا لكن كان يجب أن أدافع عنك آسف يا إميلي 
لكنها لم تسمح للمشاعر أن تسيطر على قرارها 
أنا لا أطلب منكم شيئا لدي حياة لدي ابنتي لدي عملي وجودكم فيها يجب أن يكون إضافة وليس عبئا إذا أردتم أن تكونوا جزءا من مستقبلنا فعليكم احترام هذا 
هزت الأم رأسها والدموع تملأ وجهها 
أريد إصلاح كل شيء لو سمحت لي 
أجابت إميلي بابتسامة صغيرة لا تحمل استسلاما بل نضجا 
الأفعال وليست الكلمات 
خرجت بعد ذلك إلى الشرفة تبعتها ليلي كان الغروب يلون السماء
باللون البرتقالي وكانت رائحة أشجار الأرز تلف المكان نظرت إميلي إلى المنزل الذي شهد أول جرح في حياتها لكنها لم تشعر بالخوف كما كانت تتوقع شعرت بثقل هائل يزول ببطء 
قالت لابنتها بصوت منخفض 
أحيانا نعود إلى الأماكن التي كسرتنا لا لننهار بل لنثبت لأنفسنا أن الجرح لم يعد يتحكم بنا 
نامت تلك الليلة في غرفة الضيوف بعد تردد طويل لكن وجود ليلي بجانبها جعل الغرفة أقل قسوة في صباح اليوم التالي وجدت والدتها تحاول النهوض لإعداد الإفطار لكنها أوقفتها بلطف 
اجلسي اليوم نحن من نتحدث وأنت تستمعين 
جلسوا جميعا وتكلموا مطولا تخللت الكلمات دموعا وصمتا واعترافات شعرت إميلي بأن شيئا في قلبها ينفتح لأول مرة ليس غفرانا كاملا لكنه استعداد لتوازن جديد 
خرجت ليلي
تلعب في الحديقة مع أبناء عمومتها والضحك يملأ المكان كانت تلك اللحظة كافية لتجعل إميلي تفهم أن الماضي يمكن أن يلتئم لكن على شروطها هي 
وفي طريق العودة إلى منزلها نظرت إلى ابنتها في المرآة وقالت بابتسامة هادئة 
تذكري دائما أقوى المواجهات في حياتنا تكون مع من كسرونا لكن عندما نواجه نستعيد كل ما سلب منا 
ومع غروب الشمس خلف تلال كنتاكي شعرت إميلي بأن العاصفة التي بدأت طفولتها قد انتهت أخيرا 
ما بقي لم يكن ألما
بل نورا وصلابة وامرأة صنعت مصيرها بيديها

تم نسخ الرابط