عشية زفافي ذهبتُ لزيارة قبر زوجتي الراحلة فظهر شخصٌ غيّر حياتي بالكامل

لمحة نيوز

عشية زفافي ذهبت لزيارة قبر زوجتي الراحلة فظهر شخص غير حياتي بالكامل
ذلك اليوم ما يزال محفورا في ذاكرتي كجرح لا يندمل ..ذلك اليوم ما يزال محفورا في ذاكرتي كجرح غائر يأبى الالتئام كندبة تنزف كلما لامستها نسمة حنين أو هبت رياح الذكريات. لم يكن صباحا مختلفا عن سواه أو هكذا ظننت. خرجت ماريانا إلى السوق كعادتها بابتسامتها ودفئها وصوتها الذي كان يمنح المكان حياة. كانت تصر في ذلك اليوم تحديدا على إعداد مائدة كبيرة لإحياء ذكرى وفاة والدي قالت إنها تريد أن تشعر روحه بالسكينة والفخر وأن طعامها الصادق كقلبها قد يكون رسالة حب تصل إليه حيثما يكون.
لم أكن أعلم أن تلك الرسالة ستكون آخر ما تقدمه للحياة.
رن الهاتف فارتجف قلبي دون سبب. وحين سمعت صوت الرجل على الطرف الآخر انطفأ العالم في ثانية واحدة.
زوجتك تعرضت لحادث فعلنا كل ما بوسعنا لكنها لم تنج...
توقفت أنفاسي. شعرت كأن الجدران تنهار وكأن الأرض تفترسني تحتها. ركضت إلى المستشفى بلا وعي بلا عقل بلا روح تقريبا. وهناك في غرفة باردة استقبلني صمت مخيف ونور أبيض قاس ووجوه شاحبة تنظر إلي نظرات مواساة لم أكن أحتاجها.
كانت ماريانا هناك. جسدها ساكن نبضها غائب لكن على وجهها بقيت ابتسامة حانية تشبه تلك التي

أحببتها منذ لقائنا الأول. كأنها كانت تودعني برقة وتقول إن كل شيء سيكون بخير رغم أنني كنت أعلم أن شيئا لن يكون بخير بعدها.
في تلك اللحظة شعرت أن العالم بأسره يسقط من حولي. كل الأحلام التي بنيناها كل الأحاديث التي خططنا بها لمستقبل لا يأتي تبعثرت كزجاج مهشم.
قضيت عاما كاملا بعدها أعيش كالشبح. أتنقل بين الغرف كجسد فارغ بلا قلب. صار البيت الذي بنيناه معا جدارا كبيرا للصمت ومتحفا لذكريات موجعة. كل زاوية تحمل ظل ماريانا وكل ضحكة كانت فيها صارت الآن طعنة.
كانت خزانة ملابسها كفيلة بإسقاطي في البكاء كلما استنشقت رائحة منعم الأقمشة الذي كانت تحبه. وحدها تلك الرائحة كانت تشعرني بأنها ما تزال قريبة ثم تتركني أسقط في الحقيقة المؤلمة هي ليست هنا ولن تعود.
أهلي وأصدقائي حاولوا مرارا أن ينتشلوني من هذا القاع لكنني كنت أقاومهم. كنت مؤمنا أن الحب مات برحيلها وأن قلبي صار قبرا لا يصلح لاحتضان حياة جديدة. كنت أظن أن الوفاء يعني أن أدفن نفسي معها وأن السعادة بعد فقد كهذا خيانة.
ثم ظهرت لورا.
زميلة جديدة في العمل أصغر مني بخمس سنوات. لم تكن تتدخل لم تكن تلح لم تسع لملء الفراغ عن قوة أو استعجال. كانت فقط موجودة. حضورها هادئ مثل نسمة مسائية تلطف حر يوم طويل.

حين كانت ذكريات الحادث تلسعني فجأة كانت تجلس بجانبي دون كلمة وتقدم لي فنجان شاي كأنها تقول أنا هنا خذ وقتك.
وحين كان ضجيج الشوارع يعيد إلي صدى الصدمة الأولى كانت تمسك بيدي حتى أهدأ.
على مدى ثلاث سنوات لم تطلب مني يوما أن أنسى لم تجرح ذكراها بكلمة لم تحاول أن تحتل مكانا ليس لها. فقط انتظرت بصبر لا يشبه صبر البشر. وعندما شعرت أخيرا بأن قلبي يمكن أن ينبض قليلا دون ألم قررت أن أتزوجها.
قبل إعلان خطوتي الجديدة للحياة شعرت أن علي زيارة ماريانا. أردت أن أرتب قبرها أن أشعل الشموع أن أخبر روحها أنني أحاول أن أعيش من جديد. أردت أن أؤمن أن ماريانا بقلبها الذي عرفته نقيا لن تغضب من سعادتي.
كان المطر في ذلك اليوم خفيفا كأن السماء تبكي بهدوء لأجلي. المقبرة خالية والهدوء يحيط بي إلا من حفيف أوراق الكافور التي ترقص مع الريح. حملت زهوري البيضاء ومنديلا صغيرا وحزمة شموع صغيرة. وبيد مرتجفة وضعت الأقحوان على قبرها وهمست
ماريانا غدا سأتزوج امرأة أخرى. أعلم أنك لو كنت ما تزالين هنا لكنت أنت أول من يبارك لي. لن أنساك أبدا لكن الحياة لا تنتظر ولورا لا تستحق أن تنتظر أكثر.
تساقطت دمعة على الحجر ولم أكن أعلم هل هي دمعة حزن أم امتنان.
وبينما كنت أمسح شاهدة
القبر سمعت وقع خطوات خلفي. التفت وعيناي ما تزالان محمرتين.
كانت امرأة نحيلة في الثلاثينيات ترتدي معطفا بنيا خفيفا. شعرها مبعثر بفعل الريح وعيناها تحملان بريق حزن مألوف. قالت بصوت مرتجف
عذرا لم أقصد إزعاجك.
أومأت لها وأنا أشهق بصوت خافت. لا بأس هل جئت لزيارة أحد
نظرت إلى القبر المجاور وقالت ببطء
جئت لزيارة أختي توفيت في حادث منذ أربع سنوات.
نظرت إلى شاهدة القبر قرب قدمها وقرأت الاسم
غابرييلا راميريز
1992 2019
تاريخ يطابق تاريخ وفاة ماريانا بالضبط.
قالت وهي تجاهد دموعها
أختي كانت في رحلة مع صديقة ولم نكن نتخيل أن تكون رحلتها الأخيرة.
ساد الصمت بيننا لكنه لم يكن صمتا غريبا كان صمتا يفهم الألم.
ثم سألتني بنبرة خافتة
زوجتك أيضا رحلت في ذلك اليوم
أومأت ورويت لها باختصار ما حدث. فامتلأت عيناها بالدموع ووضعت باقة من الزنبق الأبيض على قبر أختها.
أحسست في تلك اللحظة أن بيننا رابطا خفيا كأن الفقد يعرف بعضه. كأن القلوب المكسورة تتعرف على نظيراتها دون مقدمات.
قالت قبل أن ترحل
اسمي إيزابيل.
فأجبتها وأنا دانيال.
ثم أخذنا نتحدث للحظات قصيرة عن من أحببناهم ورحلوا.
عن الضحكات التي ما تزال تعيش داخلنا رغم موت أصحابها.
عن الذكريات التي تبكينا لكنها أيضا
تمنحنا سببا لنبتسم.
في اليوم التالي تزوجت
تم نسخ الرابط