عشية زفافي ذهبتُ لزيارة قبر زوجتي الراحلة فظهر شخصٌ غيّر حياتي بالكامل
أنا ولورا وسط العائلة والأصدقاء.
بدت متألقة بثوبها الأبيض كنسمة سلام.
الجميع هنأني لأنني وجدت السعادة من جديد
لكن في أعماق أعماقي كانت عينا إيزابيل الحزينتان تلاحقاني بلا إذن.
لم يكن القدر جاهزا ليتركني وشأني. بعد أسابيع قليلة فقط من زفافي عدت أراها إيزابيل. كان ذلك في اجتماع رسمي في الشركة فقد اكتشفت لاحقا أنها تعمل لصالح مؤسسة متعاقدة مع شركتنا. وعندما التقت أعيننا بدا وكأن المقبرة بكل حزنها ورائحتها الباردة قد عادت فجأة لتفرض وجودها بيننا. تمتمت اسمي بصوت خافت متردد
دانيال
أحنيت رأسي محرجا وكأنني ارتكبت خطيئة بمجرد رؤيتها. وبعد انتهاء الاجتماع دعاني شيء ما بداخلها إلى التحدث. جلسنا معا نتناول القهوة ومهما حاولت المقاومة لم أنكر أن في حديثها شيئا كان يطمئن قلبي أو ربما يوقظ شيئا كنت أظنه مات منذ زمن.
قالت وهي تنظر إلى فنجانها
منذ رحيل غابرييلا صرت أعمل بلا توقف. أتظاهر بالقوة لكن هناك ليال أبكي فيها بلا سبب واضح. لقاؤنا في المقبرة جعلني أشعر بأنني لست وحيدة في هذا الألم.
استمعت إليها بهدوء. كلماتها أعادت فتح باب لم أكن أريد فتحه ثانية. باب الحزن نفسه الذي حاولت لورا بكل حب أن تغلقه برفق.
تكررت لقاءاتنا بلا تخطيط ولا قصد معلن.
كنت أشعر بالذنب كمن يحمل صخرة على صدره ليل نهار. كان منظر لورا وهي تعد لي فنجان الشاي كل مساء يكسرني. كانت تنظر إلي بعيني من يمنح كل ثقته دون حساب.
وأنا كنت أشعر أنني لا أستحق تلك الثقة.
وحين وصل الصراع داخلي إلى ذروته اتخذت القرار الذي كنت أخشاه
صارحت لورا بكل شيء.
جلست أمامها وصوتي يختنق مع كل كلمة. أخبرتها عن المقبرة عن إيزابيل عن القهوة التي شربناها وعن الكلمات التي تشاركنا فيها الحزن. توقعت أن تبكي أو تصرخ أو تنهار. لكنها لم تفعل شيئا من هذا. بقيت صامتة تنظر إلي بعمق مؤلم كأنها تقرأ آخر فصل في قصة كانت تظنها أبدية. ثم قالت
دانيال أنا انتظرتك ثلاث سنوات لتعود إلى الحياة. الحب ليس شفقة ولا عادة ولا صدفة تجمع بين قلبين متألمين. الحب اختيار. وأنا اخترتك رغم كل شيء. كل ما أريده منك الآن هو أن تختار أنت أيضا. إن كنت ستجد سعادتك معها سأعرف عندها كيف أبتعد.
كلماتها كانت كخنجر يغرس في قلبي بهدوء. لا يقتلني لكنه يتركني أنزف.
في تلك الليلة لم أستطع النوم. كنت أرى وجه ماريانا وابتسامة لورا وعيني إيزابيل الحزينتين وكأن كل واحدة منهن تقف على جانب من قلبي وتنتظر
في اليوم التالي التقيت إيزابيل في العمل. كانت تبتسم لي تلك الابتسامة المرتعشة التي تخفي وراءها خوفا من الانجراف. اقتربت قائلة
أرجو ألا أكون سبب مشاكل بينك وبين زوجتك.
نظرت إليها مطولا ثم قلت بصوت حاسم لم أتوقع أن يخرج مني
إيزابيل أنت شخص رائع. لكن كل ما يجمعنا هو الألم. والحزن رابط جميل لكنه لا يصلح لبناء حياة.
لم تجب. اكتفت بأن تهز رأسها بتفهم مرير ثم ابتعدت بخطوات بطيئة كمن يترك جزءا من روحه خلفه.
ومنذ تلك اللحظة قررت أن أقيد علاقتي بها في حدود العمل فقط. ليس لأنني لم أشعر بشيء تجاهها ولكن لأنني فهمت أخيرا حقيقة عميقة
ليس كل اتصال قدرا وليس كل شعور فرصة ثانية.
أحيانا يكون الشعور مجرد رسالة
رسالة لا يجب تحويلها إلى طريق آخر.
بدأت أرى لورا بعيون جديدة. لم تعد مجرد تلك المرأة التي داوت جروحي بصبر. لم تعد الحائط الذي استند إليه لأبقى واقفا. صارت الجسر الذي عبرت عليه من الموت إلى الحياة. المرأة التي لم ترد أن تسرق مكاني من الماضي بل أن تمنحني مكانا في المستقبل.
صرت أقدر التفاصيل التي لم أنتبه لها يوما
ضحكتها حين تستيقظ في الصباح
الطمأنينة التي يتركها وجودها في البيت
طريقة نطقها لاسمي حين تشعر بالقلق علي
والدفء الذي يحمله فنجان
وتعلمت أن الوفاء لا يعني أن أموت في ذكرى من أحببت.
ولا يعني أن أظل أتألم وفاء لأيام جميلة انتهت.
الوفاء الحقيقي هو أن أكرم من رحل بأن أحيا كما تمنى لي أن أحيا.
في إحدى الأمسيات عدت إلى المقبرة من جديد. حملت معي الزهور التي كانت تحبها ماريانا وجلست أمام قبرها طويلا. لم أبك هذه المرة. بل تحدثت معها كما لو أنها ما تزال تقف أمامي وتبتسم
ماريانا قلبي لم ينساك حين أحب الحياة من جديد. بالعكس لقد أحببت الحياة لأنك علمتني ذلك. لأنك زرعت في القدرة على العطاء. لولاك ما كنت التقيت لورا. وما كنت أدركت الفرق بين الحب الذي ينتهي والحب الذي يستمر في شكل آخر.
وضعت يدي على الشاهدة وأغمضت عيني
شكرا لأنك كنت البداية
وشكرا لأنك سمحت لي أن أكمل الطريق.
منذ ذلك اليوم تغيرت حياتي. لم أعد أبحث عن صورة ماريانا في وجوه الآخرين ولا أترك الحزن يقود خطواتي.
صرت أثق أن الماضي باق لكنه ليس سجني.
وأن الذكرى نور لا قيد.
وأن حبا جديدا لا يلغي حبا راحلا بل يكمله بطريقة مختلفة.
اليوم عندما أستيقظ وأرى لورا بجانبي أعرف أنني اخترت الطريق الصحيح.
اختيار لم يكن سهلا لكنه كان عادلا لروحي.
لقد آمنت أخيرا أن الحياة قاسية نعم.
لكنها أيضا كريمة
وربما للحب من جديد.