لم يكن ليونارد غريفز يتخيل يوما أن الصمت قد يكون بهذا الثقل
لم يتخيل ليونارد غريفز يوما أن الصمت قادر على أن يكون بهذا السوء بهذا الثقل الذي يخنق الأنفاس كان يسكن البنتهاوس الفخم كما يسكن الظلام القبور صمت كثيف يلتصق بالجدران يتسلل إلى رئتيه فيثقل صدره وحده صوت المطر وهو يرتطم بزجاج النوافذ العالية كان يشهد أن الحياة لا تزال مستمرة خارج هذا القفص الذهبي
عاد ليونارد تلك الليلة منهكا بدلة عمله المبللة تلتصق بجلده ورائحة المطر عالقة في شعره كان مستعدا لليلة أخرى من الوحدة الرتيبة التي اعتادها منذ سنوات منذ أن خطف المرض زوجته من بين يديه تاركا خلفه فتاة صامتة وجدارا من الذكريات لا يسقط
لكن شيئا غريبا اخترق الصمت
صوت ضحك
ضحك نقي متقطع صاخب بشكل يربك حتى الملائكة تجمد في مكانه يتساءل إن كان عقله بدأ ينسج الأوهام آخر مرة سمع فيها ضحك ابنته إيلا كانت قبل أن تتوقف قدماها عن الطاعة وقبل أن تصير نظراتها مرايا خامدة لا تعكس سوى الألم
اندفع قلبه يخفق بقوة مؤلمة وهو يقترب من باب غرفة إيلا الموصد دائما كان مواربا قليلا هذه المرة وكأن القدر تعمد ترك
كانت هناك معجزة صغيرة تتخلق أمام عينيه
أمارا الخادمة الجديدة ذات الملامح الإفريقية القوية التي لم يمض على عملها في المنزل سوى أسبوعين تجلس بثبات وسط السرير الأبيض بينما إيلا فوق ظهرها ضاحكة ساقاها الضعيفتان تستندان على جسد أمارا كمن يكتشف الأرض لأول مرة
إيلا
إيلا التي قضت ثلاثة أعوام حبيسة كرسي متحرك
إيلا التي أخبره الأطباء أن معجزتها غير مضمونة
رآها تنزلق ببطء من على ظهر أمارا وقدماها تلامسان الأرض تقف
تتأرجح تتمايل لكنها لا تسقط
شهق ليونارد كأنه يرى الشمس تشرق لأول مرة منذ زمن بعيد
حاول أن يتكلم لكنه لم يجد لغة تصف ما حدث خرج صوته مكسورا
ما ما الذي يحدث
التفتت أمارا نحوه بهدوء يشبه سكون البحار قبل العاصفة وابتسامة ثابتة ترتسم على شفتيها دون مبالغة
إنها تلعب فقط يا سيدي
رفعت إيلا رأسها نحو والدها وشفتاها تتهدجان بضحكات صغيرة دون خوف
ثم خطت نحوه ثلاث خطوات مرتعشة
قبل أن تسقط في حضنه
احتواها
انهارت دموعه كسيل حار فوق وجنتيه
ضحكت إيلا وهي تشد ربطة عنقه كأنما تحاول التأكد من أنه حقيقي وأن الأمر ليس حلما
وقفت أمارا بجانب السرير عيناها تشعان بثقة عميقة دون فخر ولا انتظار للشكر بدا واضحا أنها ليست مندهشة كأنها كانت تعرف أن هذه اللحظة قادمة
سألها ليونارد بصوت مختنق
منذ متى يحدث هذا
همست
منذ يومين كانت تقف على السرير وتمسك بكتفي واليوم تركت يدي
عقدت الدهشة لسانه
لكن الأطباء قالوا إنها قد لا تمشي
قاطعته أمارا بهدوء نادر
قالوا قد لا تمشي لأنهم لم يروا ما رأيته الطفلة لا تخشى السقوط بل تخشى أن تترك وحيدة كانت تحتاج إلى أمان إلى شخص يثق بها ويصبر عليها دون ضغط أو أوامر
انحنت كلماتها على قلبه كصفعة توقظ الغافلين
كم مرة تركها
كم ليلة ابتلعت صرخاتها الجدران وهو في اجتماعات فاخرة أو رحلات لا تنتهي
تسارعت أنفاسه حين
جربت كل شيء أطباء أجهزة علاج مختصين لكنها لم تتغير
هزت أمارا رأسها بثبات
لم تكن بحاجة إلى من يصلحها بل إلى من يراها
ساد صمت ثقيل
صمت يحمل اعترافا مريرا
هو لم يرها لم ينصت إليها لم يمنحها من روحه شيئا
انخفض صوت أمارا أكثر
أنا أعرف هذا الشعور
كنت أعمل مربية لطفل اسمه جوردان كان لا يتكلم مثيرا للقلق في نظر والديه رجوتهم أن يعاملوه بلين لكنهم لم يحتملوا بطء تقدمه فطردوني
وبعد عام رحل في المستشفى ولم أكن هناك لأمسك بيده حين خاف
ارتجف قلب ليونارد
ألم كثير يختبئ خلف صمتها الهادئ
تمتم
لم تكوني مضطرة للبقاء هنا
رفعت رأسها نظرتها تمزج القوة بالجرح
صحيح لم أكن مضطرة
لكن إيلا كانت بحاجة إلى أحد
وأنا وعدت نفسي أنني إن رأيت طفلا يشبه جوردان لن أتخلى عنه
أحنى ليونارد رأسه قليلا يصارع رغبة عارمة في الاعتراف بالذنوب التي كان يجمدها صمته
أصبحت ابنته الآن بين ذراعيه تنام بطمأنينة لم يرها يوما
منحته الحياة