في إحدى زيارات العيادة لاحظت الطبيبة سلوكا غريبا من فتاة مراهقة برفقة والدها

لمحة نيوز

مليئة بالعزم
انتهى الخوف الآن يا لورا. لقد فعلت ما يجب فعله ولن يتمكن والدك من الاقتراب منك بعد اليوم.
لم تجب الفتاة بل أطلقت شهقة خافتة وهزت رأسها محاولة تصديق كلمات لم تعش مثلها يوما. ثم انفتحت الدموع على خديها بصمت مؤلم دموع ثقيلة تحمل قصصا أعمق من عمرها بكثير.
وبينما كانت الطبيبة تهدئها دوى طرق حازم على الباب. دخلوا
الشرطة.
وقف إرنستو على الجانب الآخر والضباط يحيطون به ويحاولون السيطرة على غضبه المنفجر وصراخه المليء بالتهديدات. كان يحاول التقدم نحو لورا وهو يصرخ
لورا! قولي لهم الحقيقة! أنت بخير! أنت بحاجة إلي!
لكن أحد الضباط أوقفه قائلا بصرامة
أنت رهن الاحتجاز إلى حين انتهاء التحقيق.
جر الأب بعيدا وهو يلعن الجميع ويقسم أنه سيعود.
أما لورا فقد انكمشت أكثر تحاول الاختباء في ذاتها كلما علا صوته. كان الخوف بالنسبة لها ذاكرة صوت.
بعد لحظات دخلت امرأة تحمل هدوءا مطمئنا في وجهها عرفت نفسها قائلة
أنا جوليا
ريفيرا الأخصائية الاجتماعية. سأكون معك من الآن فصاعدا. لن تعودي معه أبدا.
وقبل أن تفهم لورا كل شيء كانت بين أحضان تلك المرأة تبكي بكاء لم تبكه من قبل. لم يجرؤ أحد على لمسها بهذا الحنان قط.
في الساعات التالية جرى نقل لورا فورا إلى المستشفى.
تدخل الأطباء لإيقاف تفاقم الكيس وتم وضع خطة علاج دقيقة تضمن سلامتها.
كانت الطبيبة فاليريا تتابع حالتها بنفسها تقف أمام سريرها كل صباح لتطمئن على تحسنها حتى في أيام عطلتها.
وبعد أيام من العناية الطبية المستمرة نقلت لورا إلى مركز آمن للقاصرات مكان لا يسمح للخوف بالدخول أو هكذا حاول الجميع أن يكون.
الأيام الأولى في المركز لم تكن سهلة.
كانت لورا تستيقظ مذعورة من كوابيس متكررة
كانت تجلس في الزاوية خلال الوجبات
تأكل ببطء وبحذر وكأن الطعام خطر أيضا.
تلتفت خلفها كل بضع ثوان تخشى صوت خطوات تقترب.
فالخوف لا يرحل سريعا
الخوف يحتاج أن يعاد تدريبه على أن العالم يمكن أن يكون آمنا.

لكن جوليا وفريق الدعم النفسي لم يتركوها لحظة.
جلسوا معها جلسات مطولة استمعوا لكل صمت قبل الكلام ولكل نفس يخرج مختنقا بالذكريات.
وببطء بدأت لورا تتنفس بشكل طبيعي.
في إحدى الجلسات قررت جوليا أن تمنحها دفترا وأقلاما ملونة.
قالت لها
ارسي خوفك على الورق وسنمزقه معا عندما تنتهين.
في البداية لم تعرف لورا ماذا تفعل.
ثم بدأت أصابعها ترسم دون وعي
غرفة مظلمة
رجل يقف في الباب
حبس صمت أدوية
وفتاة تبكي بلا صوت.
كل صورة كانت اعترافا.
كل لون كان جرحا يكشف للهواء.
وعندما عرضت رسوماتها لأول مرة على الطبيبة فاليريا نظرت الأخيرة إلى الفتاة بعينين دامعتين وقالت
أنت شجاعة يا لورا أقوى مما تتصورين.
ارتجفت شفتا الفتاة ثم تمتمت
لكنني ما زلت خائفة
ابتسمت فاليريا وربتت على كتفها
الخوف شعور طبيعي لكنه لا يجب أن يقود حياتك.
مرت الأسابيع وبدأت ملامح جديدة ترتسم على وجه لورا
ضحكة خافتة هنا
نظرة فضول للعالم هناك
خطوات أكثر ثقة على ممرات
المركز.
بدأت تتعرف إلى صديقات جديدات
بدأت تقرأ روايات تشدها إلى حياة أخرى
تجلس في الحديقة وحدها دون أن ترتعد من نسمة هواء
وتسمح للشمس أن تلامس وجهها.
كانت تكتشف ذاتها من جديد.
تكتشف أن العالم أكبر من غرفة مغلقة.
أكبر من رجل واحد حاول امتلاك حياتها.
وفي زيارة طبية أخيرة قبل خروجها من المستشفى قالت لها فاليريا جملة حفرتها في روحها
أنت لم تولدي لتعيشي في القلق والخوف.
أنت ولدت لتعيشي حياة حرة حياة تستحقينها من أصغر تفاصيلها وحتى أوسع أحلامها.
توقفت لورا عن التنفس للحظة
رفعت رأسها بثقة خجولة لكنها حقيقية.
ثم ابتسمت وكانت تلك الابتسامة مثل شروق شمس بعد سنوات من العتمة.
نعم تعلم لورا أن العلاج طويل
وأن ذاكرة الخوف لا تمحى بسهولة
لكنها تعلم شيئا أعمق
أن مستقبلها ليس ملكا لأحد.
لم يعد مقيدا بصوت يصرخ
أو عين تراقب
أو باب يغلق خلفها.
بل صار ملكا لها وحدها.
وفي أول ليلة نامت فيها دون دواء
دون خوف
دون تهديد
أغمضت
عينيها وقالت لنفسها
أنا حرة الآن حقا حرة.
وتنفس قلبها أخيرا
كأنه ولد من جديد.

تم نسخ الرابط