عندما قال له سأجعل ابنتك تمشي لم يتوقع الأب أن المعجزة ستأتي من طفل مشرد

لمحة نيوز

ثم بدأ يعرض عليها تمارين بسيطة، لا علاقة لها بالطب بقدر ما تشبه الألعاب.
طلب منها أن تطبق قدميها على إيقاع الموسيقى، وأن تتخيل أنها تركل الغيوم، وأن ترقص مع الهواء مثل فراشة خفيفة.
راقبه أخصائي العلاج الطبيعي بارتباك شديد في البداية، لكنّه لم يستطع تجاهل التغيير الواضح:
مزاج صوفي أصبح أخف… ونبرة جسدها العضلية بدأت تستجيب.
كان دانيال يقف قرب الباب أغلب الجلسات، يلتهم كل حركة بعينيه، يشاهد الشكّ القديم ينهار أمام ما يحدث أمامه.
هذا الصبي لم يكن يحمل شهادات ولا خبرات… لكنه كان يحمل إيماناً لا يُشترى.
وفي مساءٍ بارد، حدث ما لم يجرؤ أحدٌ على توقعه…
رفعت صوفي قدمها اليمنى بوصة صغيرة عن السرير.
شهقت الممرضة حتى كادت تسقط من الدهشة.
وتجمّد دموع دانيال على أطراف أهدابه قبل أن تسقط بحرارةٍ محترقة.
أما زيك… فاكتفى بابتسامة هادئة وقال:
ــ قلت لكم إنها تستطيع.
ورغم ذلك… لم ينسب
الفضل لنفسه يوماً.
كلما حاول دانيال أن يعطيه مالاً، كان يرفض.
ويقول ببساطة:
ــ اشترِ لها علبة ألوان… إنها تحب الرسم، أليس كذلك؟
شيئاً فشيئاً… صار زيك فرداً من العائلة.
رتب له دانيال وجبات دافئة، واشترى له معطفاً صغيراً للشتاء.
ومع هذا، كان الصبي يعود كل مساء إلى الشوارع.
وكان يبرّر بابتسامة حقيقية:
ــ هناك أطفال مثل أختي… يحتاجون لمن يؤمن بهم أنا أيضاً.
وفي صباح آخر جاءت اللحظة الفاصلة…
قالت صوفي بصوت مرتجف:
ــ أبي… أريد أن أحاول الوقوف اليوم.
عمّ الصمت الغرفة.
شعر دانيال بقلبه يكاد يخرج من صدره.
انحنى زيك بجوارها، وقال برقة:
ــ هل أنتِ مستعدة؟
هزّت رأسها، قابضة على يديه بقوة، ثم بدأت تدفع نفسها بهدوء… وبرجفة ظاهرة.
ارتجفت ركبتيها، وتعثر الهواء في صدرها، لكنها…
وقفت.
وقفت بالفعل.
تجمد دانيال كتمثال.
نظرت إليه صوفي والدموع تغمر عينيها وهمست:
ــ أبي… أنا واقفة.
كانت
تلك اللحظة…
توقّف الزمن فيها.
سقط دانيال على ركبتيه وضمها إلى صدره كمن يستعيد ما كان يظنه ضائعاً للأبد.
لقد شهد المعجزة التي انتظرها طويلاً.
أصبح خبر تعافي صوفي حديث المستشفى.
احتار الأطباء، فسمّوا ما حدث دافعاً نفسياً خارقاً.
لكن دانيال كان يعرف…
أن ما حدث كان إيماناً أشعله طفل صغير في قلب إطفأه اليأس.
واصل زيك زيارته لأسابيع، يشجعها على خطواتها الأولى في ممرّات المستشفى.
كانت خطوات مرتبكة… لكنها حقيقية.
وكانت ابتسامتها تزداد اتساعاً مع كل خطوة.
وأخيراً… خرجت صوفي من المستشفى.
كانت تمشي ببطء… لكن دون مساعدة.
أراد دانيال أن يعيد لزيك جزءاً مما قدّمه لهم.
وجده ذات مساء بارداً، يجلس أسفل عمود إنارة، يقتسم ما تبقى من سندويتش مع طفل أصغر منه.
جلس دانيال إلى جواره وقال بصوت مليء بالعرفان:
ــ يا زيك… لقد غيرت حياتنا. دعني أساعدك الآن.
تعال للعيش معنا… اذهب للمدرسة… أنت
تستحق ذلك.
أطرق زيك برأسه للحظة، ثم قال:
ــ شكراً لك يا سيدي… لكنني لا أستطيع، ليس الآن.
هنا أطفال آخرون… مثل أختي… يحتاجون لمن يؤمن بهم.
ازدادت غصة دانيال وجعاً.
ــ إذن… دلّني على مكانك كي أستطيع العثور عليك.
ابتسم زيك ابتسامة دافئة وقال:
ــ أنت تعرفني جيداً يا سيدي…
أنا الفتى الذي آمن بأن ابنتك تستطيع المشي.
ثم نهض، واختفى في عتمة الشوارع… كما جاء.
بعد أشهر… كانت صوفي تركض في الحديقة باتجاه والدها.
كانت تضحك بحرية، كما لو أن الشلل لم يمرّ على جسدها يوماً.
وكان قلب دانيال يفيض امتناناً لا يوصف.
في كل مرة كان يرى طفلاً حافي القدمين في الطرقات… كان يتوقف، يحدق طويلاً… عله يلمح زيك مرة أخرى.
لكنه لم يره قط.
ومع ذلك… كان يقول لكل من يسأله:
ــ بعض الناس يشترون المعجزات بالمال… وأنا قابلت معجزة تنتعل حذاءً ممزقاً.
وفي مكانٍ ما…
كان هناك صبي بعينين طيبتين…
يبتسم بثقة،
لأنه لم يساعد فتاة على المشي وحسب…
بل أعاد لرجلٍ يائسٍ إيمانه بالحياة.

تم نسخ الرابط