كان راجع لبيته شاف ست مربوطه على شريط القطر
كان راجع لبيته شاف ست مربوطه على شريط القطر ومعاها طفل رضيع قرر ينقذهم بسرعه ..كان المفروض تبقى ليلة هادية زي أي ليلة قبلها… لا جديد ولا حاجة تلفت الانتباه.
نواه هاريس، الراجل اللي عنده ستة وتلاتين سنة، فلاح بسيط وعايش لوحده بعد ما القدر أخد منه مراته بدري… المرض خطفها وساب له قلب مكسر وبيت بقى صامت زيادة عن اللزوم.
المشيّة اليومية بتاعته كانت بقت زي العادة اللي بيحارب بيها الوحدة دي… صوت خطواته على الزلط كان شبه موسيقى مملة ماشية مع غروب الشمس واختفاء آخر خيط نور ورا الشجر.
حياته بقت شغل وبس… يشتغل علشان يتعب، والتعب علشان مايفكرش…
لكن كان فيه حاجة وحيدة بتنوّر يومه… الرسائل الصوتية اللي بتبعتها بنته الصغيرة “إيما”، اللي عندها عشر سنين، وعايشة في المدينة علشان تتعلم وتعيش حياة أحسن من حياة الريف القاسية.
بس الليلة دي… القدر قرر يلعب لعبته.
وفجأة…
صرخة!
صرخة تخض الميت… مافيهاش أي شبه لصوت حيوان ولا ريح… دي كانت صرخة بني آدم خايف أوي!
نواه وقف مكانه، وكأن الأرض مسكته من رجليه… وبعدين سمع صوت تاني… صوت أنعم، بس فيه هلع… وصوت تالت مرعب معاهم:
هدير قطار داخل بسرعة جنونية!
عقله ما أسعفوش يفكر…
جري!
جري وهو حاسس قلبه بيدق زي طبول حرب… الأرض بتتهز تحت رجليه وكل خطوة أسرع
ولما لف من عند منحنى قريب من السكة…
اتجمّد.
عيونه اتفتحت على آخرها.
هناك… على السكة نفسها…
كانت فيه واحدة مربوطة!
بنت صغيرة في السن… إيديها مربوطة بحبال خشنة ورجليها بسلسلة حديد… هدومها مقطّعة ومتوسخة والطين مغطيها من كل ناحية.
شعرها البني مشبّك بتراب ودموع…
وعلامات ضرب وإهانة باينة على جسمها.
لكن…
اللي وقّف الدم في عروقه بجد…
كان الطفل!
رضيع صغير… لسه مولود تقريبًا… محطوط على صدرها… ملفوف في قماشة مقطّعة… بيعيط بصوت ضعيف بيضيع وسط صوت القطر اللي مابيتأخرش!
الثواني بقت قليلة…
الوقت بيجري أسرع من قلبه اللي هيوقع من مكانه…
صرخ:
«لاااااا!»
نزل على الأرض عندها بسرعة، إيديه بتترعش:
«ماتتحركيش! هفكّك حالًا!»
هي فتحت عينيها بالعافية…
بصّت له بنظرة تستنجد بيها بآخر أمل في الدنيا:
«طفلي… أرجوك… طفلي…»
طلع السكينة الصغيرة اللي في جيبه…
وقعد يقطع في الحبال بجنون… والقطر قرب لدرجة الأرض حرفيًا بتهتز تحته.
إيده زحلقت والسكينة وقعت لحظة… حس قلبه وقف!
«يالا بقى! يالا!!»
صوته مليان يأس وخوف، لكنه فضل يقطع ويتقاتل مع الوقت.
وفجأة…
الحبل اتقطع!
فك السلسلة اللي على رجلها…
شالها بكل قوته وهي حاضنة طفلها…
وجري!
جري كأنه بيهرب من الموت بنفسه!
وفي نفس الثانية…
القطر عدى زي العاصفة!
الهوا اللي جه معاه وقعهم على الأرض… وصوت الحديد غطّى على الدنيا كلها.
نواه كان بيتنفس بصعوبة… هدومه طراب وعرق…
الست كانت بتعيّط وهي متمسكة بابنها كأنها بتمسك روحها.
قالت وهي صوتها متكسر:
«شكراً… شكراً ليك…»
بس لما بصّ في عينيها… شاف خوف تاني!
خوف مش من موت…
خوف من بني آدمين!
كان طبيعي مايسيبهاش…
شالها هي وطفلها وروّح بيهم على مزرعته.
ولما دخلوا على البيت…
خرجت جارتهم العجوز “السيدة كوبر” على صوت الدوشة:
«يا ساتر يا رب! البنت دي مالها؟!»
نواه قال بنرفزة وخوف:
«لقيتها مربوطة على السكة… حد كان عايز يقتلها… ويقتل البيبي معاها.»
كوبر خدت البيبي بسرعة… حضنته زي أم مشتاقة، والبيبي عياطها كان ضعيف ووِشّه محمّر من الخوف والبرد.
وبعد شوية عرف اسم الست…
“إيفا مونرو”.
نواه قعد طول الليل عند الباب…
مش قادر يشيل من دماغه اللي شافه…
الحبال… الطفل… صوت القطر…
وكان فيه سؤال بيلسع عقله:
مين اللي عايزها تموت؟ وليه؟
الصبح…
إيفا فتحت عنيها… مرهقة وتعبانة…
نواه قدّم لها طبق شوربة سخنة وسأل بهدوء:
«مين اللي عمل فيكي كده؟ وليه؟»
شفتها رعشت…
بصّت للنافذة بخوف وقالت:
«هييجوا تاني… مش هيسيبوني…»
«مين؟!»
نواه شدّ إيده بعصبية:
«أنتي والبيبي في أمان هنا!»
بس هي هزّت رأسها…
الخوف كان ماليها لدرجة صوتها ماطلعش:
«مفيش أمان… قدّام حد ظالم… عايز انتقام.»
الأيام اللي بعدها عدّت تقيلة…
السيدة كوبر كانت بتحاول تهدي الجو…
والبيبي اللي إيفا لسه مش قادرة تختار لها اسم كانت بتملأ المكان بحياة صغيرة… صوت بكاها الهادي كان كأنه بيقول: "ادّوني فرصة أعيش".
إيفا بدأت توقف على رجليها تاني…
ساعدت في أعمال بسيطة في المزرعة…
لكن عينيها؟
كانت طول الوقت على الطريق…
تترقّب… خايفة إن أول غيمة تراب تبقى وراها وحوش بلحم بشر.
نواه كان شايف ده…
شايف القلق اللي محاصرها…
شايف إن ضحكتها بتحارب مرارة جواها…
وهو من غير ما يحس…
كان قلبه بيرجع يدق… يدق لِحد.
وفي ليلة…
الريح كانت بتصرّخ برا…
نواه رجع من المدينة، وشه كأنه شايف حاجة مرعبة.
كوبر قالت بخضة:
«إيه وشك دا؟! حصل إيه يا ابني؟»
نواه بلع ريقه وقال بصوت واطي:
«اتنين كانوا بيسألوا عنها… عن واحدة هربانة شايلة رضيع… وعرضوا فلوس للي يدلّهم… وصلوا للمدينة يا كوبر.»
إيفا شهقت…
خدت بنتها في حضنها بسرعة…
«لقوني… يا رب ساعدني!»
نواه
إيده على كتفها بطريقة فيها وعد:
«مش هيسيبوكي… بس إحنا كمان مش هنسيبهم… ده وعد يا إيفا.»