من طفل منبوذ إلى رجل يختار المغفرة حين يعود الجلّاد طالبًا النجاة

لمحة نيوز

أنني لا أهتم 
لكن شيئا في صدري تكسر إلى الأبد 
مرت السنوات كأنها تتريث عمدا كي تختبر عزيمتي 
أنهيت المدرسة الثانوية ودخلت الجامعة ودرست بجد لم يكن دافعه الانتقام بل الرغبة في بناء حياة لا يمكن لأحد أن ينتزعها مني بعد الآن 
كنت أريد أن أترك كل ذلك الظلام خلف ظهري أن أكتب قصتي بيدي هذه المرة 
وعندما جاء يوم تخرجي
رأيته يبكي 
لم يكن بكاء صاخبا بل كان ارتجافا في ابتسامته ودموعا حاول أن يخفيها بكف مرتعشة 
انحنى نحوي وهمس بصوت يتهدج 
ابني لقد رفعت رأسي 
كانت كلمة ابني وحدها شفاء
كمن يضع بلسما على جرح ظن الجميع أنه لن يلتئم أبدا 
بدأت العمل تدريبا في المستشفى ثم حصلت على وظيفة ثابتة 
استأجرت شقة صغيرة
شعرت للمرة الأولى أن لي جدرانا تحميني بدلا من أن تسجنني 
وكنت أرسل جزءا من راتبي كل شهر إلى الملجأ الذي انتشلني كأنني أرد قليلا مما منحتني إياه الحياة أخيرا 
صرت الرجل الذي لم أجرؤ يوما على تخيل أنني سأكونه 
رجلا واقفا على قدميه لا يخشى أن يرفع رأسه 
إلى
أن جاء الأسبوع الماضي
وظهرت على هاتفي رسالة من رقم مجهول 
في البداية تجاهلتها 
ثم تتابعت الإشعارات واحدا تلو الآخر حتى فتحتها 
وتجمد الهواء في رئتي 
كان هو 
عمي 
الرجل الذي وصفني بأنني لعنة 
الذي ضربني وهو يبتسم 
الذي صنع من طفولتي ساحة حرب 
كتب 
أرجوك أريد التحدث إليك أنا مريض أبنائي تركوني زوجتي ماتت وليس لي أحد أحتاج المغفرة والمساعدة أنت الوحيد المتبقي لي من العائلة 
حدقت طويلا في الشاشة 
لكن الصور الوحيدة التي ظهرت في رأسي
كانت لذلك الطفل في التاسعة يقف في الساحة ممسكا حقيبته الصغيرة يتوسل حبا بسيطا
ولا يلقى إلا أصابع الاتهام 
جالب سوء الحظ!
لقد دمرت حياتي!
خذوه! لا أريده!
كبرت لكن تلك الكلمات بقيت تسكن عظامي 
لم أرد 
ليس لأنني لا أملك الكلمات
بل لأنني لا أعرف أي قلب يجب أن أتحدث منه 
قلب الطفل المجروح
أم قلب الرجل الذي تعلم الإنسانية
بعد يومين كنت جالسا في غرفة المعيشة أحدق في الهاتف 
لاحظ السيد كويكو صمتي وجلس إلى جانبي
بهدوء الأب الذي يعرف كل شيء دون أن تسأله 
قال 
ما الذي يشغل بالك يا بني
ناولته الهاتف 
قرأ الرسائل ببطء
ثم تمتم بحزن يشبه الحكمة 
آه الماضي لا يموت بسهولة 
قلت بصوت منخفض 
ماذا يجب أن أفعل
أجاب وهو يشبك يديه 
المغفرة يا ولدي ليست من أجلهم 
إنها من أجلك أنت 
قلت بغصة دفينة 
لكنه لا يستحقها 
ابتسم ابتسامة خفيفة كمن يضع حجرا أساسا في بيت جديد 
ربما 
لكن المغفرة ليست مكافأة بل تحرر 
إن ساعدته فهذا لا يعني أن ما فعله كان صوابا 
بل يعني أنك ترفض أن تكون قسوته مرآتك
أن تختار الإنسانية بدل أن ترث الحقد 
ومع ذلك المغفرة لا تعني القرب ولا تعني النسيان 
ومساعدته ليست واجبا 
إنه اختيار 
ثم وضع يده على كتفي وقال 
اجعل قرارك قرار الرجل الذي أصبحته لا قرار الطفل الذي تألم 
تقلبت ليلا بين الماضي والحاضر 
بين الذكريات التي تنهش القلب
والدفء الذي تعلمت كيف أصنعه لنفسي 
وفي الصباح وجدت القرار يتشكل داخلي بهدوء 
لن
أسمح لجراح الأمس أن تقود خطوات غدي 
أمسكت الهاتف وكتبت 
أنا أسامحك 
وأتمنى لك الشفاء 
سأساعدك في علاجك قدر استطاعتي
لكنني لا أستطيع أن أكون جزءا من حياتك أكثر من ذلك 
اعتن بنفسك 
كانت الرسالة قصيرة 
لكنها حملت كل ما عجزت عن قوله لسنوات 
لم تكن انتقاما
ولا قبولا
كانت إغلاقا 
حجرا أخيرا أضعه فوق قبر طفولتي المكدسة بالندوب 
توالت رسائله بعد ذلك
اعتذارات ندم رجاء
محاولات يائسة لإعادة كتابة تاريخ لا يمحى 
لكني لم أجب 
لا كرها
بل سلاما 
ولأول مرة منذ زمن بعيد
شعرت بالخفة 
كأن سلسلة صدئة كانت تثقل روحي قد تكسرت أخيرا 
كأن الهواء صار أوسع صدرا صار أكبر 
أدركت الحقيقة التي تمنح القوة 
أن النجاة ليست أن تهرب من الماضي
بل أن تواجهه
ثم تغلق بابه بيد ثابتة وتمضي 
اخترت الرحمة دون أن أتنازل عن كرامتي 
اخترت المغفرة دون أن أسمح للجرح أن ينفتح من جديد 
اخترت
أن أكون إنسانا
ذلك الإنسان الذي صنعه الحب لا الألم 
أنا لست مثاليا
ولست
حاقدا
لكنني أخيرا إنسان نجا 
إنسان تعلم أن يختار نفسه وأن يستعيد حياته قطعة بعد أخرى

تم نسخ الرابط