حين طلب المليونير من ابنه اختيار أمٍّ جديدة… لم يتوقع أن يشير إلى الخادمة

لمحة نيوز

الرخام الأبيض تعكس أشعة الشمس فتبدو كأنها قصر خرج من خيال فنان. نوافير ذات طابع باروكي تنثر خيوط الماء في انسجام وحدائق منظمة كأن يد رسام كبير خطتها عن قصد فيما يمتد البحر المتوسط في الخلفية كصفحة زرقاء لا نهاية لها يروي كل يوم حكاية جديدة عن البيت وساكنيه.
كان إدواردو ميندوزا اسما تتردد أصداؤه في مجال العقارات همسا أحيانا ودهشة غالبا. فخلف ستائر الاجتماعات الزجاجية بين مدريد ودبي وسنغافورة هو رجل صنع إمبراطورية شاهقة أراض تحولت على يده إلى مجمعات سكنية فاخرة وصفقات بملايين الدولارات وشركاء يتنافسون لكسب رضاه. امتلك كل ما يتصوره الإنسان من ثروة سيارات نادرة يخوت أنيقة وسفر لا ينقطع. غير أن قلبه حمل نقصا لم يفلح المال في سده ابتسامة ابنه دييغو العفوية.
كان دييغو في السادسة من عمره طفلا بوجه ملائكي وعينين لامعتين تحملان تساؤلات تفوق سنوات عمره. رحلت والدته وهو لا يزال بين أذرع المهد وظن إدواردو أنه قادر على أن يملأ فراغ الأم بالترف مربيات يتعاقبن عليه ألعاب مترفة تأتي من أشهر الماركات العالمية وغرف مجهزة كما غرف الفنادق الكبرى. إلا أن الغياب الذي لا يلمس لا يعوض.
كان الطفل يعود من المدرسة ليسأل والده بأسئلة بسيطة لكنها نافذة كالسهام
أين أمي
لماذا
ينتظر آباء وأمهات التلاميذ أبناءهم وأنا لا ينتظرني أحد
لماذا بيتنا كبير وجميل لكنه بارد
كانت تلك الجمل الصغيرة تزلزل رجلا اعتاد اتخاذ أصعب القرارات دون أن يرمش له جفن.
وفي صباح أحد أيام سبتمبر المشمسة بينما كانت الفيلا تلمع كجوهرة فوق سفح التل عقد إدواردو عزمه على حل المشكلة بالأسلوب ذاته الذي يدير به مشاريعه التجارية منطق بارد حسابات دقيقة وقرارات محسوبة. استعان بوكالته الموثوقة ليختار خمس شابات مؤهلات لتصير إحداهن زوجة المستقبل السيدة ميندوزا الجديدة. كانت كل واحدة منهن تمثل صورة نموذجية للجمال والتربية الراقية عارضات يعرفهن المجتمع الراقي جيدا تلمع مجوهراتهن مع كل خطوة وترافقهن سير ذاتية مصقولة كالمرايا.
الفكرة كانت غريبة في قلبه لكنها بدت منطقية في رأسه سيترك لابنه حرية الاختيار لعل الصغير يجد في إحداهن ما يفتقده. لقد جعل من حياته العاطفية مشروعا عقاريا آخر يخطط له بعقله لا بروحه.
غير أن ما غاب عنه أن القدر يجيد السخرية من المخططات المحكمة.
هناك في قلب الفيلا نفسها كانت كارمن غارسيا تعمل بهدوء منذ ستة أشهر فقط. جاءت من قرطبة باحثة عن حياة جديدة بعد طفولة قاسية فقدت فيها والديها مبكرا. كانت بسيطة في مظهرها شعرها معقود في كعكة مرتبة ومئزر عمل
يغطي ثيابا لا تعرف رفاهية الموضة. غير أن بين يديها دفئا تعلمته من الحرمان وحنانا لم يتعلمه إدواردو رغم كل ما حازه من مال.
لم تحتج كارمن لترف أو عطور بل امتلكت أسرارا لا يمتلكها الأغنياء كانت تجلس قرب دييغو في أوقات الاستراحة تقرأ له القصص بأصوات متعددة تخبز له البسكويت المنزلي وتستمع إلى مخاوفه الصغيرة كأنها أم تعرف جيدا أن كل خوف لدى طفل هو عالم كامل.
وفي ذلك الأحد المنتظر تحولت غرفة المعيشة الواسعة إلى مسرح كبير خمس نساء في ثياب باهظة يقفن وكأنهن في جلسة تصوير وإدواردو يشرح ما يشبه اتفاقيات عمل بينما يقف دييغو في المنتصف مرتديا سترته الزرقاء غريبا عن كل ما يحدث حوله.
من زاوية بعيدة كانت كارمن تراقب بصمت تحمل صينية فضية وتحاول إخفاء ارتباكها. لم تكن ترغب في التدخل فهذا ليس عالمها. لكن العالم نفسه قرر أن يتدخل.
رفع دييغو عينيه الصغيرتين ينظر إلى النساء الواحدة تلو الأخرى يلمس بفضوله الطفولي ذلك الزيف المتقن. ثم التفت إلى أبعد نقطة في الغرفة نحو كارمن.
أشار إليها بيده الصغيرة وقال بصوت واضح رغم نبض الخجل
أريدها يا أبي. أريد كارمن أن تكون أمي.
ساد صمت ثقيل كأن الكون توقف لحظة احترام لذلك الإعلان الصادق. العارضات اللواتي اعتدن أن يسلط الضوء عليهن
أدركن فجأة أن الأناقة لا تصنع دفئا. أما إدواردو فشعر بصفعة خفيفة تهز كبرياءه كيف يجرؤ طفله على تخطي كل ما بناه واختراق طبقته الاجتماعية بكل بساطة
لكنه لم يستطع تجاهل تلك الصورة دييغو يركض نحو كارمن يعانق ساقيها وكأنه وصل أخيرا إلى وطنه.
أمسك الصبي يدها بقوة تليق بمن وجد الأمان أخيرا وقال دموعه تلمع
هي تعرف كيف تجعلني لا أخاف. وهي لا تنسى أن تقرأ لي قبل النوم.
لم يكن يدرك أنه بتلك الكلمات غير مصير ثلاث قلوب دفعة واحدة.
بعد انصراف العارضات وهدوء الصخب المصطنع الذي جلبنه معهن خيم على المنزل صمت مختلف صمت يشبه بداية شيء حقيقي. كانت كارمن ما تزال واقفة قرب الباب تتردد أقدامها بين الرحيل والبقاء. شعرت بأن وجودها في تلك اللحظة تجاوز حدود وظيفتها بكثير وأن العالم الذي حاولت ألا تنظر إليه مباشرة قد صار يحدق فيها.
دخلت مكتب إدواردو بتردد وصوت خطواتها يكاد لا يسمع. كانت يداها متشابكتين أمامها وعيناها ترفضان ملاقاة نظرته. بادرت بالكلام بصوت مرتجف
سيدي أرجوك سامحني. لم أقصد أن أضعك في موقف صعب. دييغو طفل وحبه بسيط لا يعرف الفروق بين الناس.
لوح إدواردو بيده لها كي تجلس. بدا التعب على وجهه كأن اليوم اختزل سنوات من المراجعات الداخلية. جلس أمامها ليس كصاحب نفوذ
بل كأب منهك ومربك
أنا
تم نسخ الرابط