كيرا الفتاة التي علّمت الجميع معنى القوة

لمحة نيوز

في عنقها قلادة صغيرة بداخلها صورة أمها وداخل عينيها بريق جديد يخبر العالم أنها ما زالت هنا وأنها تنوي البقاء طويلا 
لم تعد الحياة كما كانت فقدت الأم عملها المدير لم يتحمل غيابها الطويل بجوار طفلتها المريضة ومع ذلك لم تتفوه الأم بكلمة اعتراض ولم تترك الحزن يكسر قلبها كانت تكرر لابنتها 
الهدف الأول أن ننجو والبقية سوف تأتي 
انتقلتا إلى غرفة صغيرة داخل سكن العمال في أحد المصانع مأوى وفرته خالتها مؤقتا جدران باهتة موقد قديم صدئ تلفاز لا يعمل إلا نصف الوقت ومع ذلك كانت كيرا تضحك تضحك لأنها تنفست يوما جديدا ولأنها استطاعت أن ترى الضوء يتسلل من النافذة كل صباح 
لم يختف المرض تماما بقي مثل ظل ثقيل يراقب كل خطوة يعود أحيانا بآلام خفيفة وتشنجات تجعل قدميها ترتجفان لكن كيرا تعلمت كيف تقاتل وتعلمت شيئا أعظم 
أن تقدر الحياة مهما كانت ناقصة 
في المدرسة لم يكن الجميع يفهم ما يجري كان بعض التلاميذ يتهامسون 
بطنها يشبه بطن امرأة حامل!
ربما لديها ديدان
كانت تنظر إلى الأرض وتتظاهر بأنها لا تسمع لكن الوحدة كانت أقسى من
المرض نفسه 
وفي يوم ربيعي جلس بجانبها فتى خجول اسمه ليشا قال لها بصوت مفعم بالبراءة 
أمي تقول إنك أقوى من كثير من الكبار وأنك لا تشتكين أبدا لو كنت مكانك لبكيت كل يوم 
رفعت كيرا رأسها لأول مرة منذ فترة طويلة وشعرت بأن قلبها يتنفس وأجابت بابتسامة ضعيفة 
أنا سأصبح طبيبة مثل أولئك الذين لم يتخلوا عني 
كانت تلك اللحظة بذرة حلم جديد ينبت في روحها 
مرت السنوات كأنها صفحات كتاب تقلب على مهل اجتهدت كيرا في الدراسة ووقفت أمها خلفها كجبل لا يهتز تبرع جيران الحي ببعض المال 500 سوم من هنا وكتب قديمة من هناك حتى بائع الخضار وعدها بأنها ستكون أشطر دكتورة في المدينة 
وفي العام التالي تحقق الحلم الذي انتظرته سنوات طويلة 
التحقت كيرا بكلية الطب 
كانت تمشي في أول يوم لها بين مباني الجامعة برأس مرفوع وفخر لا حدود له الأم حصلت بدورها على وظيفة منظفة في عيادة صغيرة وكانت تخبر كل زائر 
ابنتي طبيبة المستقبل!
لكن القدر الذي يحب أن يختبر القلوب التي تنوي النهوض لم يمنحها وقتا طويلا للراحة 
اندلع حريق ضخم
في سكن الطالبات ذات مساء دوى الإنذار وهرعت الطالبات إلى الخارج مذعورات لكن وسط الفوضى كان هناك غياب مفزع ناستيا طالبة في السنة الأولى محاصرة بين النار والجدار وقد فقدت الوعي 
سمعت كيرا الصرخات لكنها لم تفكر لم تزن الأمر بعقل الطبيب الذي يفكر في المخاطر كل ما رأته هو وجه صديقتها الجديدة وسط الدخان الكثيف ركضت ورئتاها الضعيفتان تتلويان مع كل نفس الحرارة كانت تقضم الجدران والانفجارات الصغيرة تتردد في كل زاوية 
وجدت ناستيا ممددة على الأرض والسخام يغطي ملامحها وضعت كيرا ذراع صديقتها حول كتفها وبدأت تسحبها بكل ما تبقى فيها من قوة كانت تتعثر تسعل بقسوة حتى كادت أن تختنق لكن شيئا داخلها كان يصر 
لا أحد يموت اليوم 
وفي اللحظة التي عبرتا فيها الباب انهارت كيرا على الأرض قبل أن تغيب عن الوعي تماما 
نقلت إلى المستشفى مرة أخرى قضت أسبوعين وهي تكافح آثار الدخان والحروق في رئتيها قال الأطباء 
نجت بمعجزة أخرى معجزة لا تقل جمالا ولا قسوة عن الأولى 
ومنذ ذلك اليوم لم تعد ناستيا صديقة فحسب أصبحت روحا تمسك بيد روح ظلا لا
يفارق ظل كانت تزورها يوميا تحمل لها الدفاتر وتذاكر معها وتضحك بقوة كأنها تعطيها ما يكفي من الهواء للحياة 
لكن الزمن لا يتوقف عن امتحان الشجعان 
بدأ المرض يقترب من جديد بخطوات هادئة ماكرة منعت كيرا من أي نشاط بدني حتى السير لمسافات طويلة أصبح مخاطرة عادت لياليها ممتلئة بذكريات غرف المستشفى والإبر والدواء استيقظت مرات كثيرة وهي تظن أنها تختنق من الداخل 
وفي ليلة باردة حدث ما كانت تخشاه استيقظت فجأة وشعرت بألم مألوف ينهش أحشاءها وضعت يدها على بطنها فوجدته صلبا مشدودا بنفس القسوة التي غزاها بها المرض حين كانت في الثانية عشرة 
لم تكن تحتاج إلى طبيب يخبرها
ولا إلى فحص بالموجات فوق الصوتية
ولا إلى أجهزة ترسم خطوط الخطر على الشاشة 
كانت تعرف 
شعرت بذلك في نخاع عظامها
المرض عاد 
عاد ليذكرها بأن معركتها لم تنته
وأن الحلم الذي بنته بدموعها وعرقها ما زال مهددا في أية لحظة 
رفعت رأسها نحو السقف المظلم
وشهقت شهقة قصيرة 
لم تبك بل شعرت بثقل العالم يجثم على صدرها ببطء 
في تلك اللحظة أدركت الحقيقة القاسية 
الطريق
أمامها لم ينته بل بدأ من جديد

تم نسخ الرابط