نشأت مع عم لم يردني يومًا في بيته
نشأتُ مع عمٍّ لم يردني يومًا في بيته. مات والداي في حادث سير عندما كان عمري تسع سنوات، وكان هو القريب الوحيد الذي وافق على أخذي. أو ربما كلمة وافق ليست الكلمة المناسبة… فقد قبل فقط لأن الناس ألحّوا عليه.
الرجل الذي كان ذات يوم يصفني بأنني جالب سوء الحظ.
كنتُ أظنّ أن الطفولة يجب أن تكون مكانًا ناعمًا—دافئًا، يشبه الغطاء الذي يُسحب عليك ليلًا. أمّا طفولتي فلم تكن كذلك. لقد بدأت تتمزق منذ اللحظة التي مات فيها والداي في حادث السيارة. بعد الجنازة، كان جميع البالغين يتهامسون خلف ظهري ظانّين أنني لا أسمع:
«إلى أين سيذهب؟»
«من سيأخذه؟»
«أسرة أمّه بعيدة.»
«وإخوة أبيه لديهم حياتهم ومشكلاتهم.»
ثم قال أحدهم: «وماذا عن صموئيل؟ إنه الوحيد المتبقي.»
ذلك كان عمّي.
لم يتقدّم نحوي. لم يفتح ذراعيه. كل ما فعله أنه أومأ برأسه إيماءة متصلّبة عندما ألحّ الناس عليه، كما لو كان يتلقّى عبئًا لا يعرف أين يضعه.
ومنذ اليوم الأول الذي وطئت فيه بيته بحقيبة صغيرة وثوبٍ مرتجف، عرفت أنني غير مرغوب بي. نظرت إليّ زوجته—عمّتي نورا—بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى الوحل الملطّخ أرضية نظيفة. أما أولاده الثلاثة—بنتان وصبي—فحدّقوا بي وكأنني اقتحمت عالمًا مسالمًا لا يخصّ إلاّهم.
لم يُخبرني أحد بقوانين البيت. لكنني تعلّمتها سريعًا. تعلّمتها من الطريقة التي كانت عيونهم تُثبّتني
«لا تلمس هذا.»
«لماذا تقف هنا؟»
«تحرّك!»
«لماذا تتنفس بهذه الضوضاء؟»
كنتُ أغسل الصحون، وأجلب الماء، وأكنس الساحة، وأنزع الأعشاب، وأطبخ، وأقوم بكل عمل، بينما يجلس أطفالهم متشابكي الأرجل على الأريكة يضحكون على الرسوم المتحركة. وإن توقفت لثانية واحدة، كانت عمّتي تصرخ:
«أتريد أن تأكل في هذا البيت؟ إذًا اعمل!»
كانت ليالٍ ينهش فيها الجوع معدتي حتى أيقنت أنه سيبتلعني. أحيانًا يقدمون لي طعامًا بالكاد يغطّي قاع الطبق. وأحيانًا ينسون تمامًا أنني موجود.
وعندما بلغت الرابعة عشرة، دخل إلى البيت شيءٌ أكثر ظلمة. فقد عمّي عمله. وتحطم كبرياؤه معه. واحتاج غضبه إلى هدفٍ قريب… فكنتُ أنا. الصغير، الصامت، الموجود دائمًا.
صار كل خطأ—حتى المتخيَّل منه—سببًا للعقاب:
«تركتَ الوعاء في المكان الخطأ!»
«أنت كسول!»
«أنت تحاول تخريب هذا البيت!»
كان يضربني عندما يغضب. ويضربني عندما يشرب. ويضربني فقط لأنه قادر على ذلك.
وفي إحدى الأمسيات، بعدما تركتُ البوابة مفتوحة دون قصد، التقط شاحن هاتف ثقيلًا ورماه عليّ بكل قوّته. اصطدم الشاحن بالجدار على بعد سنتيمترات من رأسي. وتناثرت القطع على الأرض.
صرخ: «ستقتلنا يومًا ما أيها الولد المشؤوم!»
وانضمّت عمّتي: «الأيتام لا يأتون إلا بالمشاكل. لقد حذّرتك!»
لم أعد أشعر بشيء. الدموع جفّت منذ شهور.
في المدرسة، لم يكن أحد يعلم شيئًا. كنتُ أرتدي زيًا مدرسيًا ممزقًا لأن عمّي قال إنه يجب أن أخيطه بنفسي. حاولت، لكن الغرز كانت ملتوية، والياقة مائلة. ضحك زملائي.
وذات يوم، لاحظت معلمتي، السيدة أماكا، الكدمات على ذراعي والتمزّق في ظهري.
همست: «تعال هنا» بعد انتهاء الحصة.
وضعت يدها على كتفي برفق—لمسة كادت تبكيني، لأنني لم أشعر منذ زمن بملامسةٍ بلا غضب.
قالت: «هل يحدث شيء في البيت؟»
هززت رأسي. «لا يا معلمة.»
تنهدت: «حسنًا. ولكن إن احتجت إلى المساعدة… أنا موجودة.»
لم أخبرها. كنت أخاف أن يرسلوني إلى القرية. أخاف الوحدة. أخاف أن يتم رميي من بيت إلى آخر كطرد غير مرغوب فيه.
لكن الحقيقة تكشّفت وحدها.
في صباحٍ ثقيل، امتزج فيه الصمت بوجعٍ لا يُحتمل، استيقظتُ على إحساس النار يشتعل في وجهي. كانت الضربات الليلة الماضية أقسى من كلّ ما سبق، كأنها محاولة لمسح وجودي من هذا العالم. نظرت إلى المرآة الصغيرة المتشقّقة المعلقة على الجدار، فرأيت وجهي وقد تورّم حتى صار غريبًا عني، وعيني اليمنى لم تكن تفتح إلا بصعوبة، وكأن الجفن يرفض مواجهة ما حلّ بي.
ارتديت ملابسي على عجل، أحاول ألا ألمس الكدمات التي تغزو جسدي. كنت أتمنى فقط أن يمر هذا اليوم دون أن يلاحظ أحد شيئًا… دون أسئلة… دون نظرات شفقة تزيد الطين بلة. مشيت نحو الباب بخطوات متثاقلة،
في طريقي، كنت أحني رأسي للأرض، أخفي وجعي عن أعين الناس. لكن عند وصولي، وقفت السيدة "أماكا" أمامي، تحدّق في وجهي دون أن تنطق في البداية. اتسعت عيناها، وارتفع حاجباها في صدمة لم تستطع إخفاءها.
صوتها انكسر وهي تقول:
«يا إلهي… ماذا حدث لك؟! من فعل هذا بك؟»
لم أستطع الرد. الكلمات علقت في حلقي، والخوف تجمّد في صدري. كنت أخشى لو نطقت، أن يخرج كل شيء دفعة واحدة… الألم والحكاية والدموع.
مدّت يدها تلمس وجهي برفق، فأحسست بفرق هائل بين العنف الذي اعتدت عليه واللطف الذي لم أعد أعرفه. زفرت ببطء وقالت بلهجة تملؤها رغبة في إنقاذي:
«لا يمكن أن تبقى هكذا… أخبرني فقط، وسأتصرف.»
حينها أدركت أن لحظة الصمت تلك كانت بداية تحوّل لم أتوقعه… بداية حياة لم أكن أظن أنها من حقي. كان هناك طريقان أمامي: أحدهما مظلم اعتدت السير فيه، والآخر مجهول لكنه مشرق بنقطة نور صغيرة.
نظرت إليها بعين واحدة قادرة على الرؤية، ورغم ألمي… شعرت بشيء يشبه الأمان يتسلل إلى داخلي لأول مرة.
في تلك اللحظة، دون أي مقدمات، فهمت أن كل ما أعرفه على وشك أن يتغيّر… أن جدران الخوف التي عشت خلفها سنوات بدأت تتشقّق. وأن حياتي، التي ظننتها محكومة بالسكوت والعذاب، قد تتهيأ لولادة جديدة… طريق مختلف تمامًا عن كل ما عرفته.
وهنا… بدأت كلّ حياتي تتغيّر بطريقة لم أتخيّلها أبدًا…
https://pub153.lamha.news/57984