كنت متزوج من سيدة وانجبت منها ولدين
الدفتر وبالصدفة قلب صفحاته. لم يكن يتوقع أن يدوي شيء داخل قلبه وهو يقرأ كلمات طفله الصغيرة.
كان موضوع التعبير عن عيد الأم بتاريخ 21 مارس.
الغريب أن الطفل لم يكتب عن والدته الأولى بل كتب عن زوجة أبيه!
كتب الطفل في الكراسة كلمات بسيطة لكنها كانت تحمل من الصدق ما يكفي لتهز أي قلب. كتب كيف أنها كانت الأقرب إليه في أيامه الأخيرة. كانت تهتم بكل تفاصيله الصغيرة طريقة نومه أكله مذاكرته حتى مخاوفه التي لا يقولها لأحد. كتب أنها كانت تطمئنه حين يخاف وتربت على كتفه عندما يتوتر وتدعمه حين يشعر أنه أقل من غيره.
قال في الموضوع إنه كان يدعو الله أحيانا أن تكون هي أمه الحقيقية ليس لأنه يكره أمه بل لأنه وجد معها نوعا من الحنان الذي كان يبحث عنه دون أن يشعر.
هذه الكلمات لم تكن كلمات طفل يكتب واجبا مدرسيا فقط كانت كلمات قلب صغير وجد في إنسانة ما معنى البيت الحقيقي.
وحين قرأ الأب تلك الجمل شعر بشيء ينكسر داخله لأول مرة منذ الحادث انهمرت دموعه بلا توقف. لم تكن دموع حزن فقط كانت دموع دهشة وحنين واعتراف بأنه ظلم زوجته في قلبه رغم دفاعه عنها. كان يعتقد أحيانا أن تمسكه ببراءتها مجرد تمسك بالأمل لا أكثر.
أغلق الكراسة وقبل الغلاف بدموعه ثم ذهب مسرعا إلى مكتب المحامي يحمل الدفتر كما يحمل كنزا ثمينا.
المحامي أخذ الكراسة في البداية باهتمام مهني عادي لكنه ما إن بدأ يقلب الصفحات حتى تغير وجهه. قرأ سطرا فتوقف عاد إلى السطر من جديد ثم قلب الصفحة التالية ثم الثالثة
كل كلمة كانت تبني صورة جديدة لزوجة الأب صورة إنسانة صالحة عطوفة قلبها مليء بالحنان.
لم يكن هذا دليلا قانونيا مباشرا لكنه كان دليلا إنسانيا لا يمكن تجاهله. وفي عالم القضايا أحيانا كلمة واحدة من قلب طفل قد تنسف عشرات الافتراضات.
في الجلسة التالية وقف المحامي أمام القاضي بثبات غير معتاد. رفع الكراسة أمام الجميع وقال بصوت واضح
يا سيادة القاضي هذا التعبير كتب يوم 21 مارس والطفل غادر الحياة يوم 25 مارس. يعني آخر كلمات كتبها الطفل قبل رحيله بأيام قليلة كانت عن زوجة أبيه كان يصفها بالحنان بالرحمة وبإنها الأقرب له من أي شخص.
ثم أكمل
هل يعقل أن إنسانة بهذه الطريقة تعامل طفلين بحب تكون وراء ما حدث
كانت الجلسة صامتة لا أحد قادر على الرد. الكلمات ضربت الجميع في نقطة لا يستطيعون
ثم استدعى المحامي مدرسة اللغة العربية. وقفت أمام القاضي وبدأ يسألها
هل هذا موضوع كتبه الطفل بخط يده
قالت المدرسة
نعم يا سيادة القاضي أنا فقط صححت بعض الأخطاء الإملائية أما المعنى والمحتوى والمشاعر فكلها من الطفل نفسه.
ثم قالت جملة أثرت في الجميع
الطفل كان يتكلم دائما عن زوجة أبيه كان يذكرها في المدرسة كثيرا كان يقول إنها تساعده وتفهمه وإنه يشعر معها بالراحة.
هذه الجملة كانت كافية لزرع الشك في أصل القضية من جديد.
القاضي الذي كان مطمئنا في البداية إلى ملف مكتمل الأركان تغير وجهه وقرر إعادة التحقيقات بالكامل.
بدأت إعادة التحقيق والدهشة أن الحقيقة ظهرت أسرع مما توقع الجميع
اتضح من خلال تحقيقات موسعة أن الطفل الكبير الذي رحل قبل أخيه كان في زيارة لوالدته الأولى وعند خروجه من عندها أعطته قطعة حلوى وطلبت منه أن يقدمها لزوجة أبيه ويقول إنها من مصروفه. كانت تعلم أن الطفلين لا يجب أن يأكلوا منها حذرته ألا يتذوقها هو أو أخوه.
لكن الطفل بحسن نية عاد إلى البيت وأعطى الهدية لزوجة أبيه. وزوجة الأب التي كانت تحبهم بصدق قالت له
ما دام جبت حاجة حلوة اقسمها بينك وبين أخوك
وهكذا وصل جزء منها للطفل الآخر ثم حدثت الوعكة الصحية الأولى ووقع ما وقع وتم دفن الطفل بحزن عميق.
لكن الأم الأولى التي كانت تخشى من انكشاف الحقيقة بدأت تشعر بقلق شديد أن الطفل الأكبر ربما قال شيئا لأخيه قبل وفاته ربما لمح له مصدر الحلوى ربما أخبره ولو بكلمة واحدة.
وبسبب هذا الخوف تكرر الأمر بشكل مشابه بعد شهرين. نفس الطريقة تقريبا نفس الأسلوب ونفس النتيجة المؤسفة. لكن هذه المرة ظهرت إشارات في الفحص الطبي دفعت الطبيب للشك وبدأت السلسلة العادلة التي أدت لإعادة التحقيق ثم اكتشاف الحقيقة.
في النهاية خرج قرار النيابة واضحا
زوجة الأب بريئة تماما.
بريئة من كل اتهام.
ومظلومة بكل معنى الكلمة.
والأصعب أنها كانت تواجه أصعب مأساة في حياتها بينما روحها نظيفة.
خرجت وهي مرفوعة الرأس وبجانبها رجل أدرك قيمة الإنسانة التي كان يملكها وقيمة البيت الذي كانت تحاول حمايته.
القصة كانت أكبر من مجرد حادث أو قضية
كانت درسا
إن القلوب المليانة حقد ممكن تخلي الإنسان يعمل أشياء لا يتخيلها عقل.
وإن القلوب المليانة رحمة حتى لو اتعرضت للظلم ربنا بينصفها.
وإن كلمة صادقة من طفل ممكن تغير مصير إنسان.
وإن