مليارديرة تزور قبر ابنها

لمحة نيوز

صرخت مارجريت. لم يكن ليخفي أمرا كهذا عني.
مسحت ألينا دمعة وقالت بصوت منخفض
لقد حاول إخبارك. قال إنه كان خائفا خائفا من أنك لن تتقبلي الأمر.
بدأت الدموع تنهمر على وجه ألينا لكن جسدها بقي ثابتا. تحرك الطفل قليلا وفتح عينيه.
تجمدت مارجريت.
تلك العينان الزرقاوان الرماديتان عينا ويليام تماما.
كان ذلك حقيقة لا يمكن إنكارها.
تعثرت إلى الوراء مذعورة.
قبل عام كان ويليام هاوثرون يشعر دائما أنه زائر في العالم الذي ولد فيه. نشأ في الرفاهية وكان مقدرا له أن يرث المليارات لكنه كان يبحث عن شيء أبسط. كان يتطوع. يقرأ الشعر. ويتناول طعامه أحيانا في مطاعم صغيرة.
هناك التقى بألينا.
كانت كل ما لم يكن في عالمه طيبة بسيطة حقيقية. جعلته يضحك. تحدت أفكاره. سألته عمن يريد أن يكون حقا.
وسرعان ما وقع في حبها حبا عميقا.
أبقيا علاقتهما سرا. لم يكن مستعدا للعاصفة المقبلة ليس من الإعلام بل من والدته.
ثم وقع حادث السيارة. ليلة ماطرة. خسارة جاءت سريعا أكثر مما يحتمل.
لم تستطع ألينا أن تودعه. ولم تتح لها الفرصة لتخبره بأنها حامل.
أما الآن في المقبرة بقيت مارجريت واقفة كأن قدميها التصقتا بالأرض.
إمبراطوريتها علمتها كيف تكتشف الكذب.
وهذه المرأة لم تكن تكذب.
لكن قبول الحقيقة بدا خيانة ليس لصورة ابنها فحسب بل للعالم الذي صنعته حول ذكراه.
كسرت ألينا الصمت أخيرا وقالت
لم آت من أجل شيء. لا مال. ولا مشاكل. أردت فقط أن يتعرف على والده. حتى لو كان بهذه الطريقة.
وضعت خشخيشة صغيرة على القبر. ثم انحنت واستدارت لتغادر.
لم توقفها مارجريت.
لم تستطع.
لقد تغير عالمها.
ظلت مارجريت واقفة. حتى عندما أدارت ألينا ظهرها ورحلت والطفل ينام على كتفها. بقيت عينا مارجريت معلقتين بالقبر وبالخشخيشة
الموضوعة قرب الكلمات المنقوشة
ويليام جيمس هاوثرون الابن الحبيب. صاحب رؤية. رحل مبكرا.
الابن الحبيب.
الآن صارت الكلمات جوفاء لأن الابن الذي ظنت أنها تعرفه كان غريبا عنها.
في تلك الليلة في قصر هاوثرون بدا المكان أكثر برودة من المعتاد.
جلست مارجريت وحدها في غرفة الجلوس الفسيحة وزجاجة ويسكي لم تفتح بين يديها تحدق في مدفأة بلا نار.
على الطاولة أمامها شيئان لم تستطع نسيانهما
الخشخيشة الصغيرة.
وصورة وضعتها ألينا عند القبر قبل أن تغادر.
كانت الصورة لويليام في مقهى يبتسم وذراعه حول ألينا. كانت تضحك. بدا سعيدا. سعاده لم تره مارجريت منذ سنوات وربما لم تسمح لنفسها برؤيته أصلا.
انتقلت عيناها إلى الطفل الظاهر في الصورة عيني ويليام بشكل لا يقبل الشك.
همست لماذا لم تخبرني يا ويل
لكنها في أعماقها كانت تعرف السبب.
لم تكن لتقبل. لم تكن لتقبلها.
بعد يومين في مطعم صغير في وسط المدينة كادت ألينا تسقط صينيتها عندما رأت مارجريت تدخل.
كانت ترتدي معطفا داكنا طويلا وشعرها مصففا بدقة تبدو كأنها خرجت من عالم آخر لا يمت لهذا المكان بصلة. حدق الزبائن فيها. وتوتر المدير خلف الخزنة.
لكن مارجريت تقدمت مباشرة نحو ألينا.
وقالت بصوت منخفض
علينا أن نتحدث.
رمشت ألينا بارتباك. هل جئت لتأخذي الطفل مني واضطرب صوتها.
لا. جاء صوت مارجريت هادئا لكن ثقيلا بسنوات مرت. جئت لأعتذر.
ساد الصمت المطعم. حتى مروحة السقف بدت وكأنها توقفت.
لقد حكمت عليك دون أن أعرفك. ودون أن أعرف الحقيقة. وبسبب ذلك خسرت عاما من حياة حفيدي. وانكسر صوتها عند كلمة حفيدي. لا أريد أن أخسر عاما
آخر.
خفضت ألينا بصرها. ولم الآن
لأنني رأيت أخيرا الرجل الذي أصبحه ابني من خلال عينيك. ومن خلاله.
أخرجت ظرفا من حقيبتها
ووضعته أمامها
هذا ليس مالا. هذه معلوماتي ودعوة رسمية. أريد أن أكون جزءا من حياتكما. إن سمحتما لي.
لم تتحدث ألينا للحظات ثم قالت
يستحق أن يتعرف على عائلة والده. ولن أمنعه. لكنه يستحق أيضا أن يحمى من أن يعامل كسر أو فضيحة.
هزت مارجريت رأسها.
إذن لنبدأ بالحقيقة وبالاحترام.
نظرت إليها ألينا طويلا ولأول مرة صدقتها.
بعد ستة أشهر تغير منزل هاوثرون.
لم يعد متحفا بل منزلا.
غرفة الطفل في نهاية الممر لم تعد للزينة بل امتلأت بالألعاب والبطانيات وضحكات طفل اسمه إلياس جيمس هاوثرون.
وعادت مارجريت تتعلم الضحك من جديد.
لم يكن الأمر سهلا. كان مليئا بالصمت المحرج والحوارات الصعبة ولحظات الشفاء الصغيرة التي لا تشترى بالمال بل تكتسب بالصبر. لكن ألينا بقيت ثابتةكما أحبها ويلياموتعلمت مارجريت أن تتخلى عن التحكم بكل شيء.
وفي أحد الأيام بينما كانت تطعم إلياس مهروس الموز رفعت رأسها وقالت
شكرا لأنك لم تتخلي عني.
ابتسمت ألينا. وشكرا لأنك اقتربت منا.
بعد عام كانت الذكرى الثانية لوفاة ويليام مختلفة.
كان الألم موجودا لكن الأمل كان حاضرا أيضا.
في المقبرة وقفت عائلة صغيرة أمام القبر ألينا وإلياس ومرجريت. لم يعودوا غرباء. لم يعودوا منقسمين بسبب اللون أو الطبقة أو الخوف. بل أصبحوا مرتبطين بالحب وبذكرى الرجل الذي جمعهم.
وضعت ألينا صورة جديدة عند القبرصورة لإلياس جالس على حجر مارجريت كلاهما يضحك في الحديقة.
همست ألينا وصوتها يرتجف بين الحزن والامتنان وهي تمرر أصابعها فوق الصورة التي وضعتها على القبر
لقد منحتني ابنا حياة كاملة بين ذراعي. والآن صار لديه جدة يعرفها ويعرف دفئها بدل أن يكبر وحيدا بلا جذور.
كانت كلماتها تمتزج بهواء الصباح الرطب وكأن المقبرة نفسها تنصت إليها.

وقفت مارجريت لحظة طويلة دون أن تتحرك. شعرت بشيء لم تشعر به منذ سنوات انكسرت طبقة قاسية كانت قد بنتها حول قلبها طبقة صنعتها السلطة والخسارات والصمت. ثم مدت يدها ولمست الحجر البارد بأطراف أصابعها كأنها تلمس وجه ابنها الراحل.
قالت بصوت خافت يكاد لا يسمع
كنت على حق يا ويليام لقد كنت دائما ترى ما لا أراه. كانت استثنائية حقا. وكنت أعرف في أعماقي أنك لم تخترها عبثا.
توقفت وحاولت كبت الرجفة في صدرها.
سامحني لأني لم أفهمك سامحني لأني لم أكن الأم التي تستحقها.
رفعت إلياس من ذراعي ألينا. كان الطفل
يتأملها بعينيه الواسعتين نفس العينين اللتين كانتا تطاردانها في صورتين وفي كوابيس كثيرة. الآن وهما تحدقان بها مباشرة شعرت بأن قطعة مفقودة في حياتها قد ردت إليها.
ضمت الطفل إلى صدرها بحنان لم تعرف أنها ما زالت تملكه ثم همست له بصوت منخفض صوت خجول كأنه يخاطب نفسه أكثر من الطفل
سنحرص يا صغيري على أن تنشأ وأنت تعرف كل ما أنت عليه كل ما تحمله داخلك من إرث أبيك وأحلامه ومن الشجاعة التي ورثتها من أمك. لن نخفي عنك شيئا ولن نسمح أن تثقل روحك الأسرار التي أثقلت قلوبنا.
سادت لحظة صمت لكنها لم تكن صمت الحزن بل صمت التحول. شيء كان يتغيرفيها وفي هذه العائلة الصغيرة وفي الطريقة التي ستكتب بها سنواتهم القادمة.
ثم أخذت نفسا عميقا وكأنها لأول مرة تتنفس حقا منذ أن دفن ابنها واستدارت ببطء.
ومع كل خطوة ابتعدت فيها عن القبر شعرت بأن ثقلا كان يجرها لسنوات بدأ يتلاشى وأن مستقبلا جديدا غير مخطط وغير محسوب بدأ يتشكل أمامها.
ولأول مرة منذ عامين لم تغادر مارجريت هاوثرون القبر منكسة الرأس أو مثقلة بالندم
بل غادرته بشعور غريب يشبه العزيمة وبإصرار امرأة قررت أخيرا أن تنظر إلى
الحقيقة كاملة وأن تبني حياة جديدة لا يشوبها الخوف ولا التحكم ولا الفقد.

تم نسخ الرابط