بعد شهرين فقط من الطلاق، وجدتها أمامي تتجوّل في المستشفى… وعندما عرفت الحقيقة، انهرت تمامًا
لكنها موجعة.
لم أجد ما أقوله.
جلست بجانبها طويلا دون كلام فقط نفسان متعبان يتجاوران.
ذلك المساء غادرت المستشفى وقد تغير شيء عميق بداخلي. لم يعد الأمر مجرد تعاطف ولا محاولة للتكفير عن خطأ. كان شيئا آخر كأنني رأيت الحقيقة التي كنت أعمى عنها طوال سنوات.
كانت مايا دائما أقوى مما ظننت لكنها أيضا كانت أشد هشاشة حين تترك وحدها.
وفي الصباح التالي عدت إليها حاملا علبة خيغدي دافئة وبرتقالا. حدقت في الطعام طويلا ثم رفعت عينيها نحوي وكأنها تبحث عن معنى. لم تقل شكرا لكنها أكلت قليلا وهذا وحده كان كافيا.
ومع الأيام صرت جزءا من يومها أرافقها للفحوص أرتب أوقاتها مع الأطباء أتابع أدويتها وأجلس بجانب سريرها لساعات العلاج الكيميائي التي كانت تمضي ببطء ثقيل كأنها سنوات.
لم أكن أعرف من أين يأتي الصبر. كنت أبقى حتى آخر الليل وأغادر المستشفى وأنا أشعر أنني أترك جزءا مني خلف الباب.
وفي إحدى الأمسيات حين كنت أعدل بطانيتها قالت فجأة بصوت خافت
أرجون هل تعلم أنني اكتشفت المرض قبل الطلاق
تجمدت.
شعرت كأن الهواء اختفى من الغرفة.
ماذا
قالت وهي تحدق في السقف
قبل أسبوع من شجارنا الأخير كنت أعاني ألما حادا فطلب مني الطبيب إجراء خزعة. وفي اليوم الذي طلبت فيه الطلاق كانت النتيجة قد وصلت.
وقعت الكلمات في صدري مثل حجر ثقيل. لم أستوعبها أول مرة.
قلت لها
لماذا لم تقولي شيئا كنت سأبقى كنت سأقف معك.
هزت رأسها برفق.
كنت سأبقى لكن ليس حبا. كنت ستبقى بدافع المسؤولية. وأنا لم أرد أن أحول حياتك إلى سلسلة من التضحيات كنت أريد لك أن تعيش.
ساد الصمت بعدها طويلا.
وكان مؤلما لأن جزءا مني كان يدرك أنها محقة وأنني ربما دون أن أعترف كنت أهرب من ثقل لم أفهمه يومها.
في ليلة باردة كانت نائمة حين رأيت ظرفا صغيرا في حقيبتها. على غلافه جملة بخطها الرفيع
إذا قرأ أرجون هذا يوما فليسامحني.
فتحت الظرف ووجدت رسالة قصيرة لكنها ثقيلة بما يكفي لتهز حياتي.
كتبت فيها أنها حملت للمرة الثالثة دون أن تخبرني وأنها فقدت الجنين بعد أسابيع قليلة بسبب ضعفها والورم. كتبت أنها طلبت الطلاق كي أتذكرها
وفي النهاية كتبت
أحببتك ولو عاد الزمن لتركتك مجددا كي لا يصبح قلبك امتدادا لآلامي.
سقطت الرسالة من يدي وجلست على الأرض كمن تلقى صدمة أكبر من قدرته على الاحتمال. كل ما كنت أتهمها به وكل ما كنت أظنه جمودا كان في الحقيقة تضحية صامتة لم أرها.
وبعد أيام استدعاني الطبيب كابور على انفراد. وقال بصوت لا تخطئه الحقيقة
حالة مايا بدأت تتراجع. الورم لا يستجيب كما نأمل. سنحاول خيارات أخرى لكن التوقعات صعبة.
خرجت من المكتب وأنا أشعر أن شيئا ما في داخلي ينهار. لأول مرة أدركت أنني قد أفقدها فعلا ليس على الورق بل من الحياة ذاتها.
في تلك الليلة أمسكت يدها الضعيفة كانت أصابعها باردة كأنها تحاول التمسك بي بطرف حياة تنزلق من بين يديها.
اقتربت من أذنها وقلت بهمس مرتجف
مايا إذا سمحت لي أريد أن أتزوجك مرة أخرى.
فتحت عينيها ببطء نظرت إلي بدهشة صغيرة ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة منهكة.
أ توافق
أومأت.
لا أريد أوراقا أو طقوسا أريد فقط أن أستيقظ بجانبك
انهمرت دمعة من عينها.
قالت بصوت خجول خافت
أوافق.
وفي الأيام التالية ساعدتنا الممرضات على إقامة حفل صغير في غرفة المستشفى
خيط أحمر حول معصمها بعض زهور الآلمرغولد ابتسامات خجلة وصمت يحيط بنا كأن الزمن توقف احتراما لهذه اللحظة.
لم تكن هناك موسيقى ولا مدعوون ولا وعود كبيرة كان هناك شيء واحد فقط
قلبان يحاولان إصلاح ما يمكن إصلاحه في الوقت الذي لا يريد الإصلاح فيه إلا الحب.
وبعد ثلاثة أشهر وفي ليلة هادئة بلا ضجيج رحلت مايا بين ذراعي.
أغمضت عينيها كما لو أنها أخيرا استطاعت أن ترتاح.
لم تكن النهاية سهلة لكن تلك الأشهر القليلة كانت حياة كاملة بالنسبة لي.
اليوم كلما مررت بممرات AIIMS القديمة تلك التي شهدت آخر لحظاتنا أسمع الهمسة التي كانت تقولها دائما بصوت خافت حين تضع رأسها على الوسادة
شكرا لأنك أحببتني.
وعندها أعرف أنها لم ترحل تماما.
بعض الأرواح مهما ابتعدت تبقى تمسك بأيدينا من مكان لا نراه فقط لتربت على جراحنا وتقول لنا ما عجزت عن قوله
أنا بخير وذكراك دائما معي.