حين أنقذتْ المربيةُ صوتَ المليونير
حين أنقذت المربية صوت المليونير وكشفت سرا أسكت الأطباء لسنوات
كان الصغير جونيور جالسا فوق السجادة الوبرية في غرفة الجلوس جامدا كتمثال صغير فقد دفء الحياة. عيناه الواسعتان تحدقان في الفراغ كأنهما تبحثان عن نجدة لا يملك التعبير عنها وجسده الضعيف كان باردا على نحو لم تلحظه جيسيكا من قبل. كانت تجثو بجانبه يداها ترتجفان كمن يحمل سرا لا يجرؤ على كشفه ممسكة بشيء صغير داكن اللون ينبض بخفة وكأنه حي.
اقتربت مدبرة المنزل بخطوات بطيئة وصوتها خرج كهمس مذعور
جيسيكا ماذا حدث
لم تكد تكمل جملتها حتى ترددت في الممر خطوات سريعة تبعتها شخصية ترتدي بدلة فاخرة وترافقها هالة من النفوذ والقلق. كان السيد روبيرتو مورا رجل الأعمال الذي يستطيع شراء أي شيء تقريبا عدا راحة قلبه يدخل الغرفة بوجه شاحب كأنه يقبل على فاجعة.
صرخ بصوت انفجر من عمق خوفه الأبوي
ماذا أصاب طفلي!
انتفضت جيسيكا في مكانها وبريق الدموع يملأ عينيها.
ل لم أؤذه يا سيدي أقسم أنني كنت فقط أحاول مساعدته
انبثق غضب روبيرتو كعاصفة
تساعدينه! تقتربين من ابني دون إذني! ألم أحذركم جميعا من مجرد لمسه!
انخفضت جيسيكا برأسها لكن يدها انفتحت ببطء وفي وسط راحة يدها ظهر ذلك الشيء الداكن الندي الغريب الشكل كائن صغير كأنه جزء حي انتزع من الظل.
تراجعت المدبرة وخادمة أخرى كانت خلف الباب خطوة كاملة إلى الوراء وكأن الهواء من حولهن أصبح ثقيلا لا يتنفس.
سقط الصمت فجأة صمت جعل نبض القصر يتوقف.
ثم جاء الصوت الذي لم يكن ينبغي أن يسمع.
صوت طفولي ضعيف مرتبك
بابا
لم يتحرك أحد.
تجمدت جيسيكا.
تجمدت الخادمات.
وتجمد روبيرتو في مكانه مشدوها كمن يسمع المستحيل.
جونيور الطفل الأصم الذي لم ينطق كلمة واحدة منذ ولد كان هو
كانت تلك اللحظة كما سيعلم لاحقا بداية شيء يتجاوز قدرته وماله وطبه. البداية التي لم يعرف أن مصدرها سيكون تلك الفتاة التي لا يلاحظ أحد وجودها.
كان قصر آل مورا يتلألأ بالرخام والذهب والتحف القادمة من قارات بعيدة لكنه رغم كل ذلك كان يعاني من فراغ عميق. كان الصمت فيه يملك صدى خاصا صدى الوحدة والبرد.
وجيسيكا الفتاة الهادئة التي تحمل أثر الحياة في أطراف أصابعها كانت الوحيدة التي شعرت بهذا الصمت الوحيدة التي رأت في عيني جونيور ألما لا يفهمه أحد الخوف الذي يحاول إخفاءه والشيء الغريب الذي لمع داخل أذنه حين اقتربت منه.
ولما حاولت إنقاذه بملقط صغير مترددة بين الخوف والواجب صرير باب القاعة شق السكون.
تجمدت يدها في الهواء.
التفتت ببطء فرأت السيد روبيرتو يقف عند المدخل مهيبا في وقفته جامد الملامح كمن يمنعه كبرياؤه من الانهيار.
قال بنبرة هادئة لكنها قاسية
ماذا تفعلين
نهضت بسرعة تخفي الملقط خلف ظهرها.
سيدي أعتذر كان يتألم أردت فقط مساعدته.
انتقل نظره بين وجهها وابنه. كان جونيور يمسك أذنه الصغيرة يرمش بعينين متوترتين كأنه يشعر بألم لا يستطيع وصفه.
قال روبيرتو بصرامة حاول أن يخفي بها ارتجاف صوته
لست طبيبة ولا مخولة بلمسه. إن حدث شيء لابني تستدعينني أنا. هل هذا واضح
خفضت رأسها
نعم يا سيدي أفهم.
مسح روبيرتو وجهه بيده كمن يقاوم انهيارا.
لقد مررت بعشرات من مدعي العلاج جميعهم فشلوا. لا أستطيع المجازفة أكثر.
ثم أشار نحو الباب.
يمكنك الانصراف.
خرجت جيسيكا بصمت خطواتها ثقيلة كأن روحها تسحب منها. وفي الردهة أسندت ظهرها إلى الحائط وهمست لنفسها
إنه لا يعرف كم يتألم هذا الطفل الصغير
مرت ساعات ثقيلة وعاد القصر إلى رتابته الهادئة.
الخادمات ينظفن
كانت ترى وجه جونيور في كل خطوة تخطوها تتذكر ارتجاف يديه فوق أذنه ذلك الشيء الداكن الذي رأته للحظة الشيء الذي لا يشبه أي شيء عرفته في حياتها.
في تلك الليلة عادت جيسيكا إلى غرفتها الصغيرة الواقعة خلف غرفة الغسيل. كانت الغرفة ضيقة جدرانها باهتة من أثر الرطوبة والنافذة الوحيدة فيها لا يدخل منها إلا خيط ضعيف من الهواء الليلي. جلست على حافة السرير المهترئ وأنفاسها تتردد بين صدرها كأنها تخاف أن تسمع نفسها.
كان إنجيلها مفتوحا بجوارها صفحاته الرفيعة تتحرك مع نسمات خفيفة لكنها لم تكن تقرأ. كانت تحدق في الكلمات دون أن ترى معناها وتتمتم بصوت مختنق
يا رب ماذا أفعل ماذا علي أن أفعل
العقرب الطويل في الساعة القديمة فوق الجدار كان يدور ببطء يصدر طقطقة متقطعة كأنها تذكرها بالوقت الذي يضيق عليها.
وفجأة اندفعت إلى ذهنها صورة كارولينا تلك الطفلة التي لم تستطع إنقاذها.
رأت آخر نظرة في عينيها النظرة التي كانت تريد أن تقول الكثير دون أن تنجح.
رأت يدها الصغيرة وهي ترتخي.
وصوت الطبيب وهو يعلن الخبر.
أمسكت جيسيكا رأسها بين يديها.
كانت قد قطعت وعدا على نفسها في ذلك اليوم ألا تقف صامتة مرة أخرى أمام ألم طفل.
أن تبذل كل ما تملك مهما كلفها الأمر.
وقفت فجأة وكأن قرارا حاسما قد ولد داخلها.
لم تستطع البقاء.
ولا النوم.
خرجت إلى الردهة الحمراء الممتدة كانت حافية القدمين خطواتها تتبدد على البلاط البارد. كان القصر نائما الأنوار خافتة والممرات ممتلئة بظلال طويلة تمتد على الجدران. النظام المركزي للتكييف يطلق أزيزا خفيفا مثل همسات بعيدة تتلاشى مع الليل.
توقفت
كان الباب نصف مفتوح ينفذ منه ضوء صغير من مصباح الليل الموضوع قرب سريره.
دفعت الباب ببطء.
في الداخل كان جونيور جالسا ظهره منحني قليلا يداه تضغطان على أذنه كما فعل قبل ساعات.
كان وجهه شاحبا وعيناه فيهما بريق خوف صامت.
اقتربت جيسيكا بخطوات لا تكاد تسمع ثم جلست قربه وأشارت بيديها بلطف
هل تؤلمك من جديد
هز رأسه.
دمعة تلمع على خده.
انقبض قلبها كأن يدا خفية تعصره.
انحنت نحوه تفحصت أذنه الصغيرة وهمست
دعني أرى لو سمحت.
تردد قليلا ثم مال برأسه مستسلما بثقة خجولة.
ألقى ضوء المصباح وهجا دافئا على أذنه ورأت مرة أخرى ذلك اللمعان الخافت في عمق الظلام.
لم يكن مجرد ظل ولا مجرد شمع
كان شيئا آخر.
شيئا لا ينتمي إلى جسد طفل.
حبست أنفاسها.
وقالت بصوت هادئ
لا تقلق يا صغيري سأكون حذرة جدا.
مدت يدها إلى جيبها أخرجت الملقط المعدني. كان يرتجف بين أصابعها كأنه يدرك ما ستفعله.
وقالت بصوت يكاد ينقطع
لا تتحرك حاول فقط أن تبقى ساكنا حسنا
كان الخوف باد على ملامحه الصغيرة لكن ثقته فيها كانت أقوى من خوفه.
اقتربت ببطء شديد
كانت الكتلة الداكنة تنكمش إلى الداخل كأنها تهرب من الضوء أو من اللمسة.
همست جيسيكا دون وعي
يا رب أرشدني
ولما لامس طرف الملقط شيئا طريا لزجا خافت أن تتنفس كي لا تفلت ما أمسكت به.
جذبته ببطء وبحذر يكاد يقطع أنفاسها.
وفي لحظة قصيرة كطرف رمش انزلقت الكتلة الداكنة إلى كفها.
سوداء رطبة صغيرة لكنها تتحرك كأنها حية.
تصلبت جيسيكا في مكانها.
لم يسبق لها أن رأت شيئا كهذا.
اتسعت عينا جونيور وحدق فيها ثم رفع يديه إلى أذنه يرمش سريعا.
ثم أصدر صوتا خافتا مختنقا.
التفتت إليه في هلع
جونيور! هل أنت بخير!
وضع يديه على رقبته فمه فتح قليلا
خرج صوت.
صوت حقيقي.
مبحوح ضعيف لكنه صوت.
تجمدت جيسيكا.
انفتحت شفتاها واختنق نفسها.
همست
أ أنت