حين أنقذتْ المربيةُ صوتَ المليونير

لمحة نيوز

تكلمت
أعاد المحاولة
صوته أوضح رغم ارتجافه
ج ج
كان يحاول أن يقول اسمها.
سقط الملقط من يدها.
وضعت يدها على فمها كي لا تصرخ من الصدمة.
يا إلهي هل هل تسمعني
فجأة رفع جونيور يديه إلى أذنيه بقوة وانكمش كأنه يحتمي من شيء
كان صوت دقات الساعة على الحائط أعلى من قدرته.
بدأ يرتجف.
لكن في عينيه بريق دهشة جديدة.
اقتربت منه جيسيكا وأمسكت كتفيه برفق
لا بأس يا حبيبي لا بأس أنت فقط تسمع لأول مرة.
نظر حوله كأنه يرى العالم من جديد.
الهواء حركة الستائر خشخشة الأوراق
كل شيء جديد.
أشار إلى النافذة حين حركت الرياح الستارة.
وسأل بصوت مرتجف
ما هذا
ابتسمت جيسيكا بين دموعها
هذا صوت يا صغيري.
هذا هو الصوت.
لكنها لم تلحظ الباب يفتح من خلفها.
كانت مدبرة المنزل واقفة وجهها شاحب عيناها متسعتان حتى بدتا مرعبتين.
صرخت بصوت دوى في الغرفة
ما الذي يحدث هنا!
قفزت جيسيكا في مكانها
أرجوك! لا تصرخي! إنه يسمع الآن لا أعرف كيف لكنه يسمع!
لكن المدبرة تراجعت خطوة وصرخت بأعلى صوت
سيد روبيرتو! تعال فورا!
ارتعش الطفل من الصوت العالي.
غطى أذنيه وبكى بحرقة.
جيسيكا
لا بأس لا تخف
دوى وقع خطوات ثقيلة في الردهة.
ثم ظهر روبيرتو عند الباب وجهه متجمد عيناه تشعان بقلق غاضب.
صرخ
ما الذي يجري هنا!
أشارت المدبرة إلى جيسيكا
إنها تعبث به مرة أخرى! انظر إليه!
انتقلت نظراته إلى ابنه
تجمد.
كان جونيور متشبثا بجيسيكا شفتيه تتحركان كأنه يحاول أن يقول
ثم خرجت الكلمة
بابا
سقط الصمت في الغرفة سقوطا مرعبا.
ارتجفت أنفاس روبيرتو
تجمد جسده.
ثلاث سنوات وهو ينتظر هذه الكلمة.
همست جيسيكا وهي تبكي
إنه يسمع يا سيدي يسمع حقا
لكن الصدمة تحولت في لحظة إلى غضب.
التفت نحوها وصوته ارتفع
ماذا فعلت به! ماذا وضعت في أذنه!
هزت رأسها
بسرعة
لم أضع شيئا! لقد أخرجت شيئا شيئا كان بالداخل!
شيئا!
اقترب خطوة والغضب يشتعل في صوته
كان يمكن أن تقتليه!
قبل أن تبرر كان الحراس قد اندفعوا إلى الغرفة.
أمسكوا بذراعيها.
صرخت وهي تبكي
أرجوك يا سيدي! صدقني! إنه يسمع الآن!
لكن صوت روبيرتو جاء حادا قاتلا
خذوها من هنا.
جذبها الحراس إلى الخارج.
وفي اللحظة التي سحبت فيها جيسيكا بعيدا
صرخ جونيور بأعلى ما يستطيع
لاااا!
كانت أقوى كلمة نطقها في حياته كلها.
آخر ما سمعته جيسيكا
كان صوت الطفل يبكي ويناديها
جي جي!
جلست جيسيكا في غرفة الأمن يداها مربوطتان إلى الأمام والبرد يزحف من الأرضية الخرسانية إلى عظامها. كانت الدموع قد جفت على وجهها تاركة أثرا باهتا حول عينيها. لم تعد تبكي لكن صدرها كان يعلو ويهبط وكأنها في نهاية سباق طويل.
كان اثنان من الحراس يقفان قرب الباب صامتين وجههما جامدان كالحجر لكن أعينهما تراقبانها بحذر.
في الممر خلف الجدار كانت تسمع بكاء جونيور خافتا متقطعا لكنه واضح بما يكفي ليضرب قلبها كالسهم.
كلما نطق اسمها جي كانت تشهق دون صوت وتشعر أن كل دفاع انهار بداخلها.
همست وهي تشبك أصابعها المرتجفة
يا رب أرجوك اجعلهم يرون أنني لم أؤذه اجعلهم يسمعون الحقيقة فقط الحقيقة
في الطابق العلوي كان القصر يشبه خلية نحل ضائعة.
مدبرة المنزل تركض بين الغرف الحراس يتحركون بسرعة والهواء ثقيل بما يكفي ليشعر كل من يمر بأنه يدخل دائرة لا يعرف فيها ما الذي سيحدث.
أما روبيرتو فكان يسير ذهابا وإيابا في غرفة الجلوس الواسعة كما لو أن الأرض تحت قدميه لم تعد ثابتة.
يداه في شعره ووجهه متوتر يشتعل بالأسئلة.
تكلم
سمع
هل هو حلم
سحر
مصادفة
معجزة
أم خطأ سيدفع ثمنه
لم يستطع أن يصف ما شعر به عندما سمع ابنه يقول بابا.
كانت كلمة
انتظرها عاما بعد عام حتى فقد الأمل ولم يعد يسمح لنفسه بأن يحلم بسماعها.
قالت المدبرة وقد اقتربت بارتباك
سيدي ربما ربما علينا الاتصال بالمستشفى فورا. قد يكون الطفل في خطر.
أومأ دون تفكير
نعم. اتصلي بهم حالا. أريد سيارة إسعاف خلال دقائق.
ثم أضاف بصوت مرتعش قليلا
أريد أفضل أخصائيي السمع جميعهم. الآن.
خرجت المدبرة مسرعة ولم تمض سوى دقائق حتى ملأ ضوء سيارات الإسعاف المدخل الأمامي بألوان زرقاء وحمراء مرتعشة.
دخل المسعفون بخطوات سريعة يحملون معداتهم واتجهوا مباشرة صوب جونيور.
كان الصغير ما يزال يحاول التكلم صوته بالكاد يخرج لكنه واضح
با با جي
كان روبيرتو يسير خلف الحمالة غير قادر على النظر خلفه حيث تقف جيسيكا محاطة بالحراس.
لم يكن يفهم شيئا
هل ما فعلته أنقذ طفله
أم كاد يقتله
اختلط الخوف بالدهشة بالأمل بالغضب بأشياء لم يستطع أن يسميها.
في المستشفى كان كل شيء باردا الجدران الأجهزة والوجوه المتوترة.
رائحة المعقم طاغية كأنها تحاول أن تخفي شيئا مظلما تحتها.
وقف روبيرتو خلف زجاج كبير يرى من خلاله الأطباء وهم يتحركون حول ابنه يوصلون أجهزة ويجرون فحوصا سريعة.
كان يضغط بيديه على حافة الزجاج حتى ابيضت مفاصله.
كيف يمكن لعالم بأكمله أن يسقط في لحظة
كيف يمكن أن يعود صوت كان يظن أنه فقده للأبد
خرج أحد الأطباء أخيرا وقد بدت الحذر في كل كلمة من كلماته
سيد موراو أجرينا فحوصا أولية. يبدو أن السمع قد عاد على الأقل مؤقتا.
قطب روبيرتو جبينه
ماذا تعني مؤقتا
أخذ الطبيب نفسا صغيرا وعدل نظارته
نحتاج إلى فحوص متقدمة لمعرفة السبب. وجدنا علامات تهيج شديدة في القناة السمعية ونوعا من المادة الغريبة.
رفع روبيرتو رأسه بسرعة
مادة غريبة
أي نوع من المواد!
تردد الطبيب ثم قال بصوت منخفض
شيء
بيولوجي لم نره من قبل.
قد يكون موجودا داخل الأذن منذ سنوات.
تجمد روبيرتو.
سنوات!
قال ببطء
هل هل تعني أن كل الفحوص طوال هذه المدة كل هؤلاء الأخصائيين لم يروا شيئا كان موجودا هناك
أشاح الطبيب بنظره كأنه يخشى المواجهة
أحيانا بعض الأمور تكون معقدة يا سيدي.
ارتفع صوت روبيرتو رغم محاولته إبقاءه منخفضا
معقدة!
لقد دفعت لهم ثروات!
أخذته حول العالم!
فحصوا كل دمعة خرجت منه!
كيف فاتكم شيء كهذا!
ابتلع الطبيب ريقه وقال بصوت مكسور
سيدي هناك أمر آخر أرجو أن تجلس.
أخرج ملفا سميكا وضعه على الطاولة ثم دفعه نحوه.
جلس روبيرتو ببطء كأن ثقلا سقط على كتفيه.
فتح الملف
بدأ يقرأ
سطرا بعد سطر
عيناه تتسعان
ثم توقفتا عند جملة مطبوعة بخط واضح
الإبقاء على التشخيص لضمان استمرارية العلاج.
حساب عائلة موراو يبقى أولوية.
شحب وجهه.
قرأ مرة أخرى.
الكلمات لم تتغير.
نظر الطبيب إليه بحزن لكن روبيرتو لم يعد يرى شيئا.
كانت الحقيقة تضربه كصفعة
لقد كانوا
يكذبون.
تركوا طفله أصما
عمدا.
كي تستمر الأموال بالتدفق.
أغلق الملف بقوة وكاد يسقط من يده المرتجفة.
همس بصوت مشحون بكره لم يعرفه من قبل
يا لكم من وحوش.
بعتم ألم طفلي من أجل المال.
خفض الطبيب رأسه
سيدي الإدارة هي التي تتعامل مع تلك الملفات. أنا لم أكن أعلم
لكن روبيرتو لم يعد يسمع.
وقف
وترنح قليلا
وكأنه خرج من عالم ودخل آخر.
خرج من المكتب بخطوات ثقيلة وكأن كل خطوة تسحب معه جزءا من ذنبه وغضبه وصدمته.
وكان يعلم الآن
أن ما حدث لم يكن معجزة فقط
بل كان فضيحة بحجم حياة.
في نهاية الممر الطويل المغمور بضوء أبيض باهت لمح روبيرتو ابنه جونيور جالسا على سرير المستشفى يستند إلى الوسائد كعصفور صغير نجا من عاصفة. كانت على جانب أذنه بضع لاصقات طبية وابتسامة
خفيفة معلقة على شفتيه ابتسامة ضعيفة لكنها قادرة على تحطيم قلب رجل مثل روبيرتو.
توقف روبيرتو في مكانه كأن الأرض تجمدت تحته. بدا جونيور أصغر مما يتذكره أضعف أنحف لكنه
تم نسخ الرابط