أجبرتني زوجة أبي على الزواج من شاب ثري لكنه مُقعد

لمحة نيوز

الشفقة بل بدافع تلك الندبة المماثلة في قلبي أنا أيضا.
في الصباح التالي دفعت كرسيه نحو الشرفة رغم اعتراضه الخافت. كان الضوء ينساب بخجل بين الستائر لكن آرف عبس وقال
لا أحب الشمس.
فابتسمت وقلت
لكن الشمس تحبك. لا ترفض من يبحث عنك.
لم يعلق لكنه لم يطلب مني إعادته إلى الداخل.
صرنا نفعل ذلك كل يوم. أفتح الشرفة أدفع الكرسي أجلس إلى جواره وأحدثه عن أشياء تافهة الجيران الذين يتشاجرون على النباتات القط الذي يسرق السمبوسة من عتبة المطبخ وكيف حبستني زوجة أبي في المخزن ذات يوم عقابا لأنني كسرت كوبا لا تتعدى قيمته بضعة روبيات. كنت أقولها بخفة متعمدة عل الكلمات تمسح بعض العتمة القابعة في صدره.
وفي إحدى المرات لمحته يبتسم ابتسامة صغيرة لكنها حقيقية. كانت تلك الابتسامة بالنسبة لي أول نافذة تتفتح في بيت أغلق طويلا.
مع مرور الأيام بدأت أدعوه إلى الحديقة. كان يتذمر أحيانا لكنها تذمرات بلا غضب أقرب إلى استسلام لطيف. كنت أذكره بأن الهواء النقي ليس عدوا وأن العزلة لا تشفي أحدا. وحين وجدته يلين رويدا بدأت الخطوة الأصعب تعليمه الوقوف من جديد.
في البداية كان يقف لثوان قليلة يمسك بطرف المقعد يرهقه الأمر
ويجعله يتعرق رغم برودة الجو. كان يسقط أحيانا فأمسك به بسرعة وأعيده إلى الكرسي. كان يعتذر دائما وكأن سقوطه خطيئة. وكنت أجيبه بنفس الهدوء
لا أخاف منك. أخشى فقط أن تستسلم.
وفي تلك اللحظات بدأت الجدران بيننا تتشقق. صار ينظر إلي بطريقة مختلفة وكأنه يتأكد كل يوم أنني لن أرحل فجأة مثلما رحل الجميع. وبدأ قلبي أنا أيضا يتحرك حركة خفيفة كأن شيئا كان ميتا بداخلي بدأ يتنفس.
وفي إحدى الليالي اعترف لي بصوت منخفض
يوم الحادث قالت خطيبتي إنها لا تستطيع العيش مع رجل مقعد. رحلت وتركتني أحاول لستة أشهر أن أمشي لأجلها وكلما فشلت شعرت أني بلا قيمة.
سكت قليلا قبل أن يضيف
لو بقي أحد إلى جواري يومها ربما كنت سأحاول من أجل نفسي.
ذلك الربما كسرت شيئا في روحي لا شفقة عليه بل لأنني رأيت في كلماته وجعي القديم. كنت أنا أيضا قد قضيت سنوات أعتقد فيها أنني لا أستحق حبا أو وجودا أو حتى مكانا صغيرا في هذا العالم.
ومرت أيام حملت في طياتها بوارق صغيرة من الألفة. صار يسألني أحيانا عن صباي عن أحلامي الطفولية عن اليوم الذي رسمت فيه أول رسمة لي على جدار قديم قبل أن تمسحها زوجة أبي. كنت أتحدث بسلاسة لم أعتدها وكنت أرى
في عينيه اهتماما صادقا اهتماما لم أختبره في حياتي.
وفي يوم عادت زوجة أبي إلى الفيلا. دخلت المتسعة كأنها صاحبة المكان وقالت لي بنبرة الأمر التي أعرفها جيدا
أتمنى أنك سعيدة الآن. ولا تنسي إرسال المال. لم نزوجك بلا مقابل.
امتدت يدها كأنها تطالب بحق لا يخصها.
قبل أن أنطق بكلمة ظهر آرف واقفا رغم ألم ساقيه ووضع شيكا كبيرا على الطاولة وقال ببرود حاسم
هذا آخر ما ستحصلين عليه. ومن اليوم ليس لك أي حق عليها.
تجمد وجه زوجة أبي وشعرت بدموعي تنهمر بلا إرادة.
لأول مرة وقف أحد لأجلي لأجل ميرا وحدها لا لأجل مصلحة أو ضرورة.
في تلك الليلة جلست قرب سريره وقلت
شكرا لك.
فضحك بخفة وأجاب
لم أفعل ذلك لأنك مدينة لي فعلته لأنني كنت مدينا لنفسي. تركتك وحدك طويلا.
ومع مرور الشهور صار يقف أكثر ويمشي خطوات أطول. كنت أمسك يده كل صباح وأرافقه في الحديقة ببطء. كان يضحك أحيانا حين يتعثر وكأن السقوط صار جزءا لا ينقص من كرامته بل يزيده قوة.
وفي صباح يوم سألني بخجل خفيف
إن مشيت طبيعيا يوما هل سترحلين
فأجبته ضاحكة
إن كنت تحتاج لشخص يصنع أسوأ فنجان قهوة في العالم فلن أذهب.
ضحك ضحكة دافئة بددت ضباب دلهي.
ثم جاء صباح
مختلف. استيقظت ولم أجده في غرفته. بحثت عنه بقلق حتى وصلت إلى الحديقة وهناك تجمدت.
كان يسير.
بلا عصا.
بلا دعم.
بخطوات بطيئة لكنها ثابتة كنبض حي يعود بعد غياب طويل.
اتجه نحوي والشمس تسقط على كتفيه كأنها تحتفل به وأمسك يدي قائلا
استعدت ساقي بفضلك لكن ما شفيته فعلا هو قلبي.
عانقته وشعرت لأول مرة أن عالمي يتشكل من جديد تماما كما تتشكل الأرض بعد المطر الأول.
وفي الأيام التالية صارت الفلا التي بدت قبرا باردا بيتا حيا. الضحكات الخفيفة تتردد في الممرات ورائحة الشاي تعبق في الهواء وكأن الجدران التي ظلت تنكمش على نفسها بدأت تتنفس معنا.
كل صباح قبل أن أستيقظ كان يمشي وحده نحو الشرفة يدفع الستائر ليدخل الضوء ويضع كوب ماسالا تشاي أمامي قبل أن أفتح عيني. عرف ذوقي وطمأن قلبي وصار حضوره دفئا يسند روحي.
وفي أحد الصباحات قلت له مبتسمة
هل تتذكر ليلة زفافنا
فأجاب بابتسامة تشبه شروقا متأخرا
كيف أنساها في تلك الليلة حملتني لأنني لم أستطع حمل نفسي. واليوم حان دوري أن أحملك لنعيش نصف عمر هادئ كنت أظنه مستحيلا.
أسندت رأسي إلى كتفه وقلت بصوت خرج من أعمق نقطة في روحي
الحياة لا تحتاج إلى ساقين قويتين بل
إلى قلب قوي يكفي لنخطو به نحو بعضنا.
وكنت أعني كل كلمة.

تم نسخ الرابط