كان رجلاً ثريًا تظاهر بالنوم وبجانبه ذهبٌ ومال ليختبر أمانة ابنة الخادمة الفقيرة

لمحة نيوز

جدار من الثروة يظن أنه يحمي نفسه لكنه في الحقيقة يحبس قلبه بعيدا عن الناس.
لم يعرف كيف يجيب. كان الحديث معها يشبه فتح نافذة في غرفة لم يدخلها الضوء منذ زمن. جلسا طويلا تلك الليلة يتحدثان عن أشياء لا يقولها البشر عادة لمجرد الغرباء عن طفولتها في القرية عن المطر الذي كان يطرق سقف بيتهم الطيني عن رائحة خبز الروتي حين كانت والدتها تعجنه وعن الوحدة التي سكنت روحه هو لسنوات طويلة.
وبينما كانت الكلمات تنساب شعر آرف بأن الجدران التي بنى بينها نفسه بدأت تتشقق. صمت القصر الذي كان يخنقه صار يبدو أقل وحشة. بدا وكأن الهواء نفسه أصبح أقل ثقلا.
منذ الصباح التالي تغير شيء في القصر أو ربما في داخله هو. صار يسألها عن الموسيقى التي تحبها وعن الشاي الذي تفضله وعن رأيها في لون الستائر الجديدة. لم يفهم ما الذي يحدث لكنه كان يشعر للمرة الأولى بأن هناك شيئا صغيرا يولد شيء يشبه الثقة وربما بدايات حب خجول.
لكن القصص الجميلة لا تسير بلا عواصف.
في يوم ما انتشرت شائعة أطلقها أحد شركاء آرف القدامى
هذه الفتاة تريد أموالك. إنها تخدعك.
كانت مجرد كلمات لكن الشك
القديم في قلبه كان مثل جرح مفتوح. وللحظة واحدة فقط صدق تلك الجملة.
لحظة واحدة كانت كافية لكسر شيء نبيل.
في صباح اليوم التالي لم تأت أنانيا إلى العمل. اختفت تماما. تركت فقط رسالة قصيرة على طاولة المطبخ
لا تقلق يا سيدي. لقد أعطيتني من الوقت ما يكفي ومن الاحترام أكثر مما توقعت. لكن يجب أن أغادر قبل أن أصبح ظلا آخر في قصتك.
أنانيا.
حمل الرسالة بيد ترتجف. لم يعرف أن شيئا يمكن أن يؤلمه إلى هذا الحد. بحث عنها أياما طويلة ثم أسابيع. عاد إلى قريتها القديمة سأل عنها في المدن الصغيرة لكن لا أحد يعرف شيئا.
حتى جاء يوم بعد ثلاثة أشهر كان في رحلة عمل إلى بلدة جبلية صغيرة في أوتاراخاند. هناك لمح لافتة خشبية بسيطة عند طرف الطريق مكتوب عليها
خبز أنانيا زهرة الآذريون.
توقف قلبه للحظة.
دخل. رائحة القرفة والسكر غير المكرر ملأت المكان. وخلف الطاولة الخشبية الصغيرة وقفت أنانيا يداها مغطاة بالدقيق شعرها مرفوع بإهمال جميل وابتسامتها الهادئة نفسها لكن بعينين تحملان أميالا من الوجع.
وحين رأته سقطت العصا من يدها. همست
ظننت أنك لن تعود.
تقدم نحوها ببطء كمن
يخشى أن ينكسر المشهد. أخرج من جيبه زهرة آذريون جافة كان يحتفظ بها منذ رحيلها. رفعها أمامها وقال
لم تأخذي مني شيئا يا أنانيا لكنك سرقت شيئا واحدا فقط خوفي. خوفي من الشعور.
تألقت عيناها بالدموع. وللمرة الأولى لم يتظاهر آرف بالنوم أو القوة أو اللامبالاة. وقف أمامها كما هو إنسان فقط.
بدأ يزور المخبز كثيرا يتحجج بالعمل لكنه يعرف أنها صارت وجهته الحقيقية. صار يعجن العجين معها يقدم الشاي للعملاء يجلس على المقعد الخشبي يراقب الأطفال يلعبون. تعلم أن البساطة قد تكون أغلى من الذهب وأن السعادة ليست في ما يملكه بل في من يقف إلى جواره.
ومع مرور الوقت أصبح المخبز عالمه الجديد.
وفي الذكرى الثالثة لافتتاحه علقت أنانيا لافتة صغيرة
حلويات مجانية للجميع!
امتلأ المكان بالضحكات والأطفال ورائحة الكيك الطازج. وسط الزحام تقدم آرف نحوها يحمل صندوقا صغيرا. ناولها إياه.
ما هذا سألت بخجل.
ابتسم وقال هدية للمخبز ولصاحبته.
فتحت الصندوق فوجدت عقدا من أزهار الآذريون المجففة وتحتها ورقة.
قرأت
زرعت السكينة في قلبي
وأريد أن أزرع الثبات في قلبك.
إن شئت فلنبدأ من جديد.

لا كسيد وخادمة
بل كروحين وجدتا الطريق نفسه.
لم تستطع منع دموعها لكن ابتسامتها بقيت ثابتة تلك الابتسامة الصادقة التي غيرت حياته.
قالت له وهي تمسح دموعها
وماذا تريدني أن آخذ منك الآن
اقترب منها وقال
الشيء الوحيد الذي أملكه الآن قلبي.
عند المغيب حين أضيئت مصابيح الزيت فوق سطح المخبز جلسا معا يطلان على الجبال المغطاة بضباب خفيف والريح الباردة تزحف بين أشجار الصنوبر. كانت لحظة لا تحتاج إلى كلمات.
قالت بصوت خافت
لم أتوقع يوما أن يفهم أحد زهوري هكذا.
فقال
ولم أتوقع أن يملأ أحد صمتي بالكامل.
ظهرت النجوم ببطء كأن السماء نفسها تقترب لترى هذا الاعتراف الكبير. وكان المكان كلهالجبال الهواء الضوء الأصفر الصغيريشبه دعاء لطيفا يربط بين روحين كانتا تائهتين.
يقول أهل البلدة إن الحلويات في مخبز أنانيا لها مذاق لا يشبه غيره. ربما كان السر في الزبدة الطازجة لكن الحقيقة كانت أبسط.
كل قطعة حلوى هناك كانت تحمل شيئا منهما
قليلا من الغفران
قليلا من الشفاء
وكثيرا من الحب الذي بني على الصدق لا على المصادفة.
وهكذا أثبتت زهرة آذريون صغيرة أن في وسعها أن توقظ
أغنى قلب وتضيء أعمق روح وتكتب بداية حياة جديدة.

تم نسخ الرابط