بعد ساعة واحدة فقط من دفن زوجتي

لمحة نيوز

بعد ساعة واحدة فقط من دفن زوجتي أمسك ابني ذو الأعوام السبعة بيدي وهو يرتجف. همس قائلا
بابا ماما كلمتني من داخل التابوت.
لم يمر من الوقت سوى ساعة بعد دفن زوجتي حتى شعرت بيد ابني الصغيرة ترتعش بين أصابعي كطائر مفزوع لا يملك شيئا إلا جناحيه. كان وجهه شاحبا كأن ضوء النهار قد سحب من داخله واقترب مني وهمس بصوت لا يتعدى همس الهواء
بابا ماما كلمتني من داخل التابوت.
توقفت قلبي عن العمل للحظة. في البداية وظننت أن الكلمات خرجت من مخيلته الطفولية فالأطفال حين يخسرون أمهم يغرقون في عالم من الكوابيس والهلوسات التي لا تفهم. لكن ذلك الخوف في عينيه لم يكن مختلقاكان موجعا وعميقا يحمل ثقل حقيقة لا يستساغ. ارتعشت شفتي وخرجت مني كلمات لم أخطط لها
افتحوا القبر افتحوا التابوت الآن.
توقف العمل في المقبرة لبرهة. بعض الحاضرين تجمعوا والبعض الآخر كان يهم بالمغادرة والعمال أمسكوا مجاريفهم وتجمدوا كأنهم ينتظرون أمرا من عالم آخر. نظرات الاستغراب

والتوجس غطت الوجوه. ربما ظنوا أني فقدت توازني أو قد تكون الحقيقة أن الخوف الأبوي لا يلتفت لتبريرات العقل.
كانت زوجتي ليلى حسان قد فارقتنا فجأة في صباح بارد. قال الأطباء إن سبب الوفاة حدث عصبي نادر وكنت أنا المحطم المنهك قد قبلت التفسير بلا جدال. الحزن جعل كل سؤال يبدو ترفا. أردت أن أنهي مراسم الوداع سريعا أن أخفي حزني تحت التراب كما أخفيتها.
لكن بعد الدفن جلس سامرابني ذو الأعوام السبعةإلى جانبي وحدق في التربة الطازجة بعيون بلا حياة وأعاد تكرار الجملة التي قلبت عالمي رأسا على عقب.
اقتربت منه وهمست برفق محاولا أن أهدئه
يا سامر ما تسمعه من قلبك قد يكون نتيجة الحزن.
أمسك كمي بقوة لم أتوقعها من طفل بهذه السن وقال بصوت متكسر
لا يا بابا. كانت تتكلم ببطء كأنها لا تستطيع أن تتنفس. قالت لي حبيبي قل لأبي إني ما زلت هنا.
اهتز ما في داخلي. كان هناك شيء في نبرة صوته لم يترك مجالا للتشكيك. قفزت من مكاني حينها وصرخت بأعلى صوتي مطالبا
بإعادة فتح القبر. مدير الجنازة حاول تهدئتي وكرر أن الأطباء أكدوا الوفاة لكن صوت طفلي كان أقوى من أي بيان رسمي.
عاد الرجال وتعطلت الحكاية الرتيبة للدفن. توقفت الحركة وساد الصمت المريب حين بدأت أول حفنة من التراب تتساقط. شعرت بأن كل ثانية تمتد كسكين بطيء. عندما ظهرت حافة التابوت تجمدت يداي من الرعبليس لأنني توقعت أن تكون ليلى حية فحسب بل لأن شيئا آخر كان موضوعا فوق صدرها هاتفها المحمول. الهاتف الذي أخبرنا الطاقم الطبي أنه اختفى من المستشفى في الليلة التي سبقت رحيلها.
ومما زاد الطين بلة أن شاشة الهاتف كانت مضاءة وتظهر رسالة صوتية مسجلة بعد وقت طويل من توقيت إعلان وفاتها. وكان عنوان الرسالة موجها إلى رقم سامر.
سقطت كأن الأرض زیر قد ذبت من تحتي. أمسكت الهاتف بيد ترتجف ضغطت زر التشغيل وخرج صوت مبحوح يشكو وحدة وأنفاسا متقطعة ثم همسة ضعيفة تقول حبيبي قل لأبي أنا ما زلت هنا. ارتفع صراخ سامر وغاص وجهه في صدري. ركبتي كادت أن
تضعفاني.
المدير تراجع وهو يهمهم بكلمات عن خلل تقني. لكن وجود ممرضتين شاركتا في نقل الجثمان إلى المقبرة غير المشهد تبادلتا نظرة مذعورة ثم اعترفت إحداهما بصوت مرتعش أنه لم يكن ينبغي نقلها بسرعة وأنهم افترضوا أن الطبيب قد تحقق من إيقاف القلب. كلمة افترضنا اصطدمت في رأسي كضربة مطرقة.
غضب هادر اندلع بداخلي واستبدل الحزن بلهيب يريد إنصافها. رفعت صوتي لأطلب إبلاغ الشرطة فورا ومنع أي أحد من لمس المكان. شرعت الشرطة في التحقيق على الفور وقد بدا المحقق وهو يسمع الرسالة وكأن العالم كله قد تغير أمامه الذهول تحول إلى غضب ثم إلى خشية من أمر أكبر من مجرد إهمال.
ذلك المساء تغير كل شيء في بيتنا. لم تعد لي الحياة كما كانت لا عودة للضحكات التي كانت تملأ أركانه ولا لصوتها وهي تنادي ابنها. بقيت رسالة ثقيلة واحدة رسالة صوتية قصيرةهي آخر خيط يربطني بها. في كل ليلة أضغط زر التشغيل مرات ومرات ليس من أجل الألم فحسب بل لأحفظ صوتها الأخير كما
كان امرأة تحارب.
تم نسخ الرابط