بعد ساعة واحدة فقط من دفن زوجتي
امرأة طلبت أن تسمع قبل أن تدفن.
تبدلت الأيام إلى تحقيقات واجتماعات رسمية. استدعي مجلس المستشفى وبدأت أقلام التوقيع تسحب وتراجع والطبيب الذي وقع شهادة الوفاة وضع تحت الإيقاف الإداري والممرضتان وضعتا قيد التحقيق بتهمة إهمال قد يصل إلى التزوير في سجلات النقل. كانت كل خطوة قانونية تخفف ضغينة في قلبي لوهلة ثم تعود لخنقني لأن لا إجراءات تعيد اللحظة ولا محكمة تسترجع نفسا توقف عن الخفقان.
تحول بيتنا إلى محطة لأسئلة الصحافة وحضور الأصدقاء المتعاطفين. جاء كثيرون ليعزونا ولكن سامر كان هو محور الحديث. الأطفال أحيانا ينطقون بحقائق نغفلها وها هو براءته حفرت طريق الحق. أصبح هو بطلي الصغيرذلك الطفل الذي لم يتخل عن إحساسه حتى في مواجهة حزن لا يطاق.
لم يمض وقت طويل حتى بدأت أصوات في الحي تتغير. لم يعد الناس يتحدثون عن التعاطف وحده صار الحديث عن المحاسبة والشفافية. بعض الجيران أسروا أن حادثة مماثلة وقعت من
في الليالي الطويلة حين يهيمن الصمت أخذت أسجل ملاحظاتي أسماء من يعرفون أوقات الحضور سجلات الاتصال بالمستشفى كل ما بدت لي شاردة قد تكون خيطا يقود للحقيقة. تحول منزلي إلى دفتر ملاحظات وأشرطة صوتية ونسخ من رسائل إلكترونية. سامر كان ينام قريبا مني وفي إحدى الليالي قال لي بصوت ضعيف
بابا لو واحد تاني جاله نفس اللي حصل معانا بتحس إن احنا نقدر نمنع ده
نظرت إليه ورأيت في عينيه مزيجا من الفضول والخوف والنضوج المبكر. رددت عليه
نعم يا بني. سنحاول أن نجعل من قصتنا درسا. لن نقف صامتين.
وجاءت التحقيقات بنتائج على مراحل أدلة تشير إلى تسجيلا ناقصا في ملف المريضة وتناقضات في توقيت نقل الجثمان وحتى إشارات إلى أجهزة
خلال تلك الشهور مررت بمراحل من الحزن إلى العنف إلى البحث عن معنى ثم إلى قبول هادف. لم أستسلم للانتقام كغاية بحد ذاته بل سعيت لأن أحول المعاناة إلى عمل يجنب غيرنا ما مررنا به. بدأت أتواصل مع منظمات حقوق المرضى شاركت شهادتنا في لقاءات توعوية وشاركت في حملات تطالب بتشديد إجراءات التحقق قبل إعلان الوفاة والتأكد من إجراءات نقل الجثامين.
كان هناك أثر شخصي كذلك سامر تغير. الطفولة التي فقدت رفيقها لم تعد كما كانت لكنه نما بوعي مبكر. تعلم أن يسأل أن يتحدث وأن لا يغفل عن حدسه. وفي المدرسة تحدث أمام زملائه عن أهمية الحديث عندما يشعرون بأن
مرت سنة تقريبا منذ ذلك اليوم المشؤوم وما زالت ندوب الفقد حاضرة. في بعض الليالي أسمع صدى همسة ليلى في مخيلتي وأضغط على الرسالة التي أصبحت في هاتفي كذكرى لا تمحى. لكني أيضا أجد عزاء في أن قضيتنا أفضت إلى تغييرات فعلية بروتوكولات أعيدت مراجعتها في مستشفيات عدة وتدريبات لموظفين على توثيق نقل المرضى والتأكد من حالة الوفاة ومطالبات مجتمعية برفع مستوى الشفافية.
قبل أن أنهي أريد أن أخاطبك مباشرةأنت الذي تقرأ قصتي الآن لو قال لك طفلك شيئا يبدو غير معقول خذ كلامه بجدية. لا تقلله من قيمة الحدس الطفولي. في هدوءك وصراحتك قد تنقذ نفسا. أنا لم أعد أؤمن بأن كل الحوادث تكتب بمحض الصدفة. أؤمن الآن أن الاستماع قد يغير مصائر. وإن كان هناك درس واحد أطلقته من رماد خسارتي فهو هذا استمع لصوت الطفل واحمه فقد يكون ذلك الصوت آخر فرصة