قبل 21 عامًا تخلّى عني والداي، واليوم بعد أن أصبحتُ مليونيرة عادوا يطلبون المساعدة
قبل 21 عاما تخلى عني والداي واليوم بعد أن أصبحت مليونيرة عادوا يطلبون المساعدة وما فعلته أسكتهم تماما.
قبل واحد وعشرين عاما تركت على عتبة بيت لم يكن بيتي ووسط صمت كثيف يشبه الضباب سمعت جملة ستظل تلاحقني زمنا طويلا وجودك جلب لنا النحس.
كنت طفلة في التاسعة أحمل حقيبة ممزقة ودبا قماشيا بعين واحدة وأحمل قبل كل شيء قلبا صغيرا لا يعرف لماذا ينكسر. كان صباحا رماديا من تلك الصباحات التي تبدو فيها السماء وكأنها فقدت رحمة المطر ودفء الشمس في آن واحد. وقفت فوق شرفة خشبية باردة أمام منزل جدي وجدتي أرتجف من البرد ومن الحقيقة.
لم يلتفت والداي إلي حين أنزلاني من السيارة لم يمسكا يدي لم يشرحا لم يواسا وكأنني غريبة ظهرت على حياتهما فجأة. قالت أمي بصوت جاف خال من أي أثر للحنان
انزلي ستبقين هنا فترة.
ثم أغلق الباب بقسوة ودار محرك السيارة وابتعدت بلا كلمة وداع بلا نظرة بلا لحظة واحدة تمنح طفلة سببا لتفهم. اختفت السيارة مثلما يختفي ظل على قارعة الطريق وتركت خلفها طفلة لا تعرف لماذا تركت ولا ماذا فعلت لتستحق ذلك.
تقدمت نحو باب الجدين وطرقت وأنا أرتجف. فتح جدي الباب وكانت الدهشة في عينيه أكبر من الكلام. قال بصوت مرتبك
كلارا ماذا تفعلين هنا أين والداك
همست كمن
قالا إنني سأبقى هنا.
نظر خلفي إلى الطريق الخالي ثم أصدر زفيرا يشبه تنهيدة رجل خسر شيئا لا يعرف كيف يستعيده. اقترب مني وضع يده على الباب كأنه يبحث عن شجاعة افتقدها ثم قال بوهن
لا أستطيع مخالفتهم يا صغيرتي.
وأغلق الباب ببطء ببطء شديد كأن العالم كله يغلق معه في وجهي.
وقفت هناك ابنة التسعة أعوام لا أعرف إلى أين أذهب ولا كيف أصرخ ولا ماذا أفعل. كنت أرتجف من البرد ومن الوحدة حتى جاءني صوت من الخلف صوت سيغير مصيري كله.
كانت السيدة لينورا هاينز جارتنا العجوز المعلمة المتقاعدة ذات القلب الذي يشبه شمسا صغيرة لا تنطفئ. كانت تراقب المشهد من نافذتها فهرعت إلي ولفتني ببطانية دافئة ثم أخذتني إلى منزلها من دون أن تسأل شيئا.
كان بيتها يعبق برائحة القرفة والكتب القديمة رائحة تمنح القلب أمانا لم يذقه منذ زمن. هناك شعرت للمرة الأولى في ذلك اليوم أنني لست وحدي.
مرت الأيام تحولت الأسابيع إلى شهور ولم يأت أحد ليأخذني. لم يتصل أحد لم يسأل أحد. سيطرت السيدة هاينز على الوضع وساعدت الجهات المختصة على وضعي تحت رعايتها رسميا وكانت أول من منحني جملة أعادت ترتيب عالمي من جديد
أنت لست مكسورة يا كلارا أنت فقط تركت من قبل الأشخاص الخطأ.
في المدرسة
وحين بلغت الثالثة عشرة فتحت لي السيدة هاينز صندوقا صغيرا فيه عشرات المظاريف. كانت رسائلي كلها وكل رسالة عليها ختم أحمر يقول
أعيدت إلى المرسل.
في ذلك اليوم توقفت عن الكتابة وتوقفت عن انتظارهما.
لكن العالم لم يتوقف عن اختباري ففي الخامسة عشرة اكتشفت أن جدتي رحمها الله كانت قد فتحت لي حسابا صغيرا يوم ولدت. لم يكن مبلغا كبيرا لكنه كان وسادة أمان لطفلة كان ينبغي أن تكون محمية. وعرفت أن والدي سحبا منه آخر سنت بعد أسبوعين فقط من تركهما لي. حتى الشيء الوحيد الذي خصص لحمايتي سرق مني.
في تلك الليلة جلست على سريري أحتضن دبدوب طفولتي ذو العين الواحدة وقطعت وعدا صامتا لنفسي
لن أركض وراء محبة هربت مني. لن أبحث عن يد تركتني. سأبني حياة لا يستطيع أحد هدمها.
ومنذ تلك اللحظة بدأت رحلتي.
في السادسة عشرة حصلت على أول وظيفة تنظيف الطاولات في مطعم صغير بعد المدرسة. كنت خرقاء في البداية أسكب القهوة أحيانا
سألني صاحب المطعم ذات يوم رجل طيب يدعى السيد كالوم
لماذا تجهدين نفسك يا ابنتي
فقلت بابتسامة هادئة
لأن أحدا لن يفعل هذا من أجلي.
وبحلول الثامنة عشرة كنت قد ادخرت ما يكفي لأدفع رسوم التقديم للجامعات. قبلوني في كلية مجتمع بسيطة ودرست إدارة الأعمال. لم تكن جامعة مرموقة لكنها كانت الخطوة الأولى في بناء مستقبل لا يشبه الماضي.
وخلال دراستي بدأت أبرمج مواقع إلكترونية للمتاجر المحلية لكسب المال وهنا ولدت الفكرة التي غيرت حياتي
منصة رقمية لمساعدة أطفال الرعاية البديلة في إيجاد منح وسكن وإرشاد.
أسميتها الجسر المفتوح.
في البداية كنت وحدي أعمل من زاوية صغيرة في المكتبة أكتب الخطة وأطور الموقع. ثم كتبت صحيفة محلية عني
فتاة فقدت أهلها وتمنح الأمل لغيرها.
انتشر الخبر انهالت التبرعات وكبرت الفكرة وكبرت معها.
وبعد أعوام قليلة وجدت نفسي في عمر الرابعة والعشرين أدير مكتبا صغيرا وفريقا وهدفا واضحا. وعندما عرض علي بعض المستثمرين شراء المنصة بمبالغ ضخمة رفضت. لم أأسسها لأصبح ثرية لكن النجاح جاء رغم ذلك.
ومع مرور السنوات صرت في التاسعة والعشرين أدير ثلاث شركات وأقدم الرعاية والدعم لمئات الشباب الذين مروا بما مررت