تبرعتُ بجزء من كبدي لزوجي، وكنتُ واثقة أنني أُنقذه. لكن بعد أيام قليلة فقط
لا نعرف هويته بعد. الملف مقفل بتوقيع إدارة أعلى.
إدارة أعلى! ما الذي يعنيه هذا
تردد ثم قال
يعني أن الأمر لم يكن خطأ طبيا. بل ترتيبا. توقيعا من جهة تملك سلطة نقل عضو ثمين دون الرجوع للبروتوكولات.
وقفت رغم أن الألم شق جانبي الأيمن موضع العملية.
أريد الوصول لزوجي. أريد كل التسجيلات. كل الوثائق. أريد معرفة من أخذ جزءا مني ومن خطط لهذه الفوضى.
حاول الطبيب أن يمسك بذراعي كي يمنعني من الوقوف لكنه تراجع حين رأى الإصرار في عيني.
سيدة ريتشي ما زلت خارجة من عملية زراعة. جسمك ضعيف.
قلت بحدة لم أعهدها في نفسي
جسدي نزع منه جزء لن يعيش صاحبه طويلا إن لم أجد الحقيقة. سأتحرك.
صمت للحظة ثم قال كمن يسلم بالأمر
هناك شيء آخر يجب أن تنتبهي له. منذ خروج دانيال لم نستطع التواصل معه. هاتفه مغلق. عنوانه الرسمي لم يعد مسجلا. لا أحد يعلم أين ذهب.
تجمد المكان.
اختفى
أومأ.
نعم.
لم أشعر بالخوف بقدر ما شعرت بخيانة تتسلل إلى صدري كدواء فاسد ينتشر عبر الدم. جزء من كبدي ذهب لشخص لا أعرفه. زوجي خرج بخطة لا أفهمها. المستشفى يتستر. والطاقم يتحرك بحذر غير مفهوم.
رفعت رأسي ببطء وكأنني أتخلى عن آخر بقايا ضعفي.
وقلت بصوت لم أسمعه من قبل
أنا سأجد الحقيقة سواء أراد دانيال ذلك أم لا. وسواء حاول أحد إخفاءها أم لا.
لم أكن بحاجة إلى يوم آخر من التفكير الحقيقة كانت هناك تهوي فوق رأسي كما لو أنها تنتزع آخر خيط من الثقة التي كنت أتمسك بها.
بعد ساعات من بحث محموم مدعوم بقلق غاضب سلمني أحد موظفي السجلات سرا نسخة من تقرير لم يفترض أن أصل إليه. نظرت إلى الورقة إلى التوقيع في أسفل الصفحة وإلى الرقم الضريبي المرفق باسم المستفيد الفعلي من كبدي.
لم يكن اسما مجهولا.
لم يكن اسم مريض يحتضر.
لم يكن اسم شخص على قوائم الانتظار.
كان اسم شركة طبية خاصة شركة تجري عمليات زراعة لمرضى أثرياء خارج النظام العام بمبالغ لا يمكن تخيلها.
وهناك في خانة المفوض بالتسليم
كان اسم دانيال ريتشي.
شهقت بصوت مكتوم وكأن الهواء تراجع عن
دانيال زوجي شريكي لسنوات هو الشخص الذي وقع على تسليم جزء كبدي.
هو الذي سمح بنقله لمريض آخر مقابل مبلغ مالي.
لم يكن يحتضر.
لم يكن حتى بحاجة إلى العملية.
كل التقارير التي أراها الآن كانت مزورة. أرقام إنزيمات كبد مرتفعة بشكل غير منطقي عينات ملوثة عمدا صور سونار قديمة لا تخصه أصلا.
هو خدعني.
تذكرت كل اللحظات التي أمسك فيها بيدي وادعى الألم. كل مرة رآني أبكي خوفا عليه كان يبتسم في داخله يعرف الحقيقة ويخفيها.
سقطت على الكرسي وارتعشت أصابعي حول الورقة. لن أبكي. لم أعد أملك تلك البراءة.
هناك نوع من الألم لا تصاحبه دموع بل صمت يشبه شقا في الروح.
وبينما أنا غارقة في صدمتي فتحت الممرضة ليزا الباب بخوف
سيدة ريتشي يجب أن تأتي. فورا.
نهضت بصعوبة والجراحة ما زالت تؤلمني لكن ما يعتصر قلبي كان أعمق من أي جرح.
قادتني إلى غرفة صغيرة في الطابق السفلي. دخلت فوجدت الدكتور هاريس واقفا أمام شاشة مراقبة.
ضغط على زر وظهرت صورة من كاميرا الأمن بتاريخ يوم العملية.
رجل يمشي بخطوات ثابتة يحمل حقيبة سوداء ويخرج من الباب الخلفي للمستشفى.
الرجل كان دانيال.
ليس مريضا.
ليس ضعيفا.
كان يمشي بثبات بملامح محايدة كما لو أنه أنهى صفقة عمل.
قال الطبيب بصوت متهدج
هذا قبل دقائق من نقل العضو الذي تبرعت به إلى سيارة النقل الخاص للشركة الطبية. وقد تلقينا تأكيدا بأن الحساب المرتبط باسمه استقبل تحويلا كبيرا في نفس اليوم.
كممت فمي بيدي.
ليس لأنه خانني فقط بل لأنه باع جزءا من جسدي. باع صحتي. باع مستقبلي.
باع شيئا لا يباع شيئا لا يعوض.
قال الطبيب
سيدة ريتشي نحن أمام جريمة. هناك سوق سوداء للأعضاء وزوجك استغل ثقتك ليحصل على المال. لم يكن مريضا من الأصل.
تقدمت خطوة نحو الشاشة ولمست مادتها الباردة بأطراف أصابعي كأنني ألمس الحقيقة نفسها.
أين هو الآن
أجاب الطبيب
اختفى. غادر البلاد خلال 48 ساعة. الشرطة تبحث عنه. لكن أريد أن تعرفي أن ما فعله ليس مجرد خيانة زوجية. إنه
أغمضت عيني. جزء مني مات تلك اللحظة الجزء الذي كان يظن أن الحب قادر على إنقاذ كل شيء.
لكنه باعني.
بدم بارد.
وبينما أحاول استعادة أنفاسي قالت ليزا بخفوت
ولكن هناك شيء آخر.
التفت إليها.
ماذا الآن
قدمت لي ظرفا صغيرا.
هذا وصل اليوم باسمك.
فتحت الظرف.
وفي داخله ورقة واحدة.
خط دانيال الذي أعرفه.
آسف كنت فرصتي الوحيدة. سأعيد كل شيء حين أستطيع.
ضحكت.
ضحكت ضحكة قصيرة متحجرة لا روح فيها.
أعد ماذا
صحتي التي فقدتها
أشهر التعافي التي تنتظرني
الجزء المفقود من كبدي
الحب الذي دفنته بيدي
خرجت من الغرفة وأنا أستند إلى الجدار. آلام العملية تعصف بجانبي لكني لم أعد أشعر بها كما قبل.
هناك ألم آخر يجعل كل شيء جسديا يبدو تافها مقارنة به.
وقفت أمام زجاج أحد الممرات ورأيت انعكاسي امرأة فقدت ثقتها وجزءا
من جسدها لكن لم تفقد إرادتها.
تنفست بعمق وقلت لنفسي بصوت لم يسمعه أحد غيري
دانيال لقد بعت جزءا من كبدي. لكنك نسيت شيئا أنا ما زلت أملك قلبي. ولن تشتريه مرة أخرى.
وبهذه الجملة بدأت قصتي من جديد.
قصة ليست عن الحب بل عن النجاة.
مرت الشهور ببطء مثقل كأن الزمن نفسه كان يتأنى كي يسمح لجسدي أن يلتئم. خضعت للفحوصات الدورية والتوجيهات الصارمة والأدوية التي كان علي ألا أتخطى ساعة واحدة من دونها.
ورغم الألم كنت أتعافى.
لكن ما لم أتوقعه هو أنني وسط كل ذلك الخراب كنت أتعافى نفسيا أيضا.
كنت أستيقظ يوما بعد يوم لأجد أن قلبي الذي كسر يوم خيانة دانيال بدأ ينسحب من ظلاله القديمة ويقترب من نور حياة جديدة.
ورغم محاولات الشرطة ظل دانيال خارج البلاد يتنقل بين مدن بلا أسماء يطارد المال الذي باع من أجله زوجته وجسدها. وعندما صدر الحكم الدولي بملاحقته كان قد اختفى تماما.
حتى جاء يوم تغير فيه كل شيء.
كنت في المنزل الجديد الذي انتقلت إليه بعد عام كامل من العلاج. شقة صغيرة مضيئة مليئة بالأشياء التي اخترتها وحدي وليس نحن.
في ذلك اليوم تلقيت مكالمة من رقم مجهول.
أجبت.
كان صوتا رجوليا رسميا
سيدة ريتشي هذا مكتب الشرطة الفيدرالية. لدينا خبر بخصوص زوجك السابق.
لم تهتز يدي. لم أحبس أنفاسي. فقدت الخوف منذ زمن.
تفضل.
قال بصوت ثابت
تم العثور على دانيال ريتشي في إحدى العيادات الخاصة في جنوب أميركا. يعاني من فشل كبدي متقدم حقيقي هذه المرة.
تجمدت. ليس صدمة بل نوع غريب من الإدراك العميق.
كأن القدر كان يكتب القصة بقلم هادئ لكنه لا يخطئ.
تابع الشرطي
حالته حرجة وهو يطلب التواصل بك. يريد المساعدة.
أغلقت الهاتف ببطء وتركت جسدي يستند إلى الكرسي.
كم من المرات حلمت أن أنتقم
كم من المرات تمنيت أن أشعر بما يشعر به الآن
لكن عندما جاءت اللحظة شعرت فقط بالهدوء.
القدر تولى الأمر.
ليس أنا.
بعد عامين من تلك المكالمة كان كل شيء في حياتي قد تغير.
كنت قد عدت لعملي تقدمت في منصبي وسافرت لمرات لم أكن أتخيلها.
وفي أحد المؤتمرات العلمية الطبية التقيت برجل لم أتوقع أن أدخله يوما في عالمي طبيب باحث هادئ حكيم يشبه في حضوره نافذة تفتح في غرفة مغلقة منذ سنوات.
لم يكن الأمر حبا سريعا كان بناء لبنة فوق أخرى حتى اكتشفت أن قلبي يستطيع أن يثق مرة أخرى.
بعد عام تزوجناه.
وبعد سنة أخرى ولد طفلي الأول.
عندما أمسكت به للمرة الأولى وبطنه الصغيرة ترتفع وتهبط بأنفاس متقطعة كالعصافير أدركت أن الحياة ليست عادلة دائما لكنها تعوض.
تعوض بطريقة لا يتوقعها أحد.
وفي يوم ربيعي هادئ بينما كنت أحمل طفلي على صدري وأجلس قرب النافذة وصلتني رسالة قصيرة
وفاة دانيال ريتشي اليوم بسبب فشل كبدي كامل. لم يعثر على متبرع مناسب.
قرأت السطر مرة واحدة.
لم ترتجف يدي.
لم ينقبض قلبي.
كان القدر قد خط النهاية من دون أن أتورط في أي شيء
كما لو أن الكون كله أعاد ترتيب الموازين ليعيد لي حقي لا بالانتقام بل بالنجاة.
نظرت إلى طفلي قبلت جبينه وابتسمت.
قلت لنفسي
هو باع جزءا من كبدي والقدر أخذ منه كبده كله.
ثم همست بصوت لا يسمعه غير قلبي
أما أنا فقد منحني الله حياة جديدة وقلبا جديدا وعائلة تستحق كل ما بقي
وهكذا انتهت قصتي مع دانيال.
لا بفوزي عليه ولا بسقوطه
بل ببدء حياة لم يكن هو جزءا منها
حياة كانت تستني أن أخرج من الظلام لأستقبلها.