قبل 21 عامًا تخلّى عني والداي، واليوم بعد أن أصبحتُ مليونيرة عادوا يطلبون المساعدة وما فعلتُه أسكتهم تمامًا

لمحة نيوز


ثلاث شركات
واحدة للتقنيات المجتمعية
وأخرى للاستشارات
وثالثة لدعم الشباب الخارجين من دور الرعاية.
كنت أظهر على أغلفة المجلات أتحدث في المؤتمرات وأستقبل رسائل من جامعات تريد مني إلقاء محاضرات.
أصبحت حياتي مليئة بما لم أتخيله يوما.
لكن خلال كل تلك السنوات لم يصلني منهم والداي أي رسالة أي اتصال أي كلمة.
صمت دام أكثر من عقدين حتى جاء اليوم الذي تبدل فيه كل شيء.
كنت جالسة في مكتبي ذات صباح أراجع خطط توسعة جديدة للمنصة حين توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام المبنى.
نزل منها زوجان في سن متقدمة ملامحهما منهكة لكن ملامحهما لم تخطئها ذاكرتي.
كانا والدي أو من كانا يشغلان تلك الصفة يوما.
وقفا أمامي بتردد وكأنهما يخشيان الاقتراب.
قالت أمي بصوت مرتعش كأن الكلمات تخرج من فمها بعد صراع طويل
كلارا يا ابنتي.
تجمدت.
ولوهلة لوهلة واحدة فقط شعرت أن الطفلة التي بداخلي تريد الركض نحوها.
لكن صوتا من الماضي صفع تلك الرغبة بقسوة صوت باب السيارة الذي أغلقاه في وجهي قبل واحد وعشرين عاما.
لم يأتيا طلبا للحب.
لقد أتيا طلبا للمنفعة.
جلسنا على الطاولة الصغيرة داخل بهو الشركة.
كان الصمت يغطي المكان يقطع أنفاسهما

ويثقل قلبي.
مسح أبي حنجرته بيده وقال بنبرة رسمية باردة
أختك ليام تحتاج إلى مصاريف الجامعة وظننا أنك بما أنك ناجحة ربما تساعدين العائلة.
رفعت حاجبي.
قلت ببطء كأنني أكرر كلمة لا أعرفها
العائلة
ثم أضفت
تقصدان الأشخاص الذين تركوني على عتبة بيت لا يخصني
تلوحت ملامح أمي بالغضب الخفيف.
قالت
كنا صغارا يا كلارا ارتكبنا أخطاء. لكن العائلة تسامح.
نظرت إليهما طويلا.
كانا يتحدثان كغريبين يستخدمان كلمات لا يحق لهما قولها.
قلت بهدوء حاد
لم ترتكبا خطأ لقد اتخذتما قرارا.
وعندما رفضت مساعدتهما تغير كل شيء.
بدآ بنشر قصص عبر الإعلام المحلي يتهمانني فيها بأنني ابنة ناكرة للجميل فتاة تنكرت لعائلتها بعد أن أصبحت ثرية.
لكن ما لم يدركاه هو أن الحقيقة كانت أقوى من الأكاذيب.
كانت جارة قديمة تلك التي سكنت أمام منزل جدي قد صورت يوم تركاني فيه.
مقطع قصير يظهر أبي وهو يقول بصوت جاف
أنت لا تنتمين لهذا البيت بعد الآن.
لم أسع لفضحهما بل أردت أن أسلط الضوء على ما يمر به أطفال كثر مثلي.
سلمت التسجيل لصديقة صحفية موثوقة.
انتشرت القصة بسرعة لكن الناس لم يروها كفضيحة بل كنافذة أمل.
رأوا فيها شهادة لطفلة تحولت
ندوبها إلى أجنحة.
انتشرت قصتي في الصحف على منصات التواصل وفي البرامج الإنسانية.
ووصلتني آلاف الرسائل
أمهات آباء شباب عاشوا الهجر ناجون من قسوة العائلة أشخاص خذلتهم الحياة.
كانوا يقولون
قصتك ذكرتنا أننا لسنا وحدنا.
أخبرتنا أن النجاة ممكنة.
وللمرة الأولى شعرت أن الألم الذي حملته لم يكن عبثا بل كان جسرا يصل بي إلى من يحتاج إليه.
لكن الماضي كما يفعل دائما عاد يطرق بابي بعد أسبوع واحد فقط.
توقفت سيارة قديمة أمام بوابة شركتي.
تحت اللافتة الزجاجية التي تحمل اسمي رأيت والدي يقفان كأنهما ظلان خرجا من زمن بعيد.
كانت أمي تبكي.
دموعها تنهمر بلا توقف ويديها ترتجفان.
قالت بصوت مكسور
ستبقين دائما ابنتنا مهما حدث.
نظرت إليها طويلا طويلا بما يكفي لأدرك شيئا لم أفهمه في طفولتي
أن هناك فجوة بينهم وبين قلبي لا يمكن لأي كلمة أن تردمها.
فجوة حفرتها سنوات من الصمت من الأسئلة التي لم يجب عنها أحد ومن طفل صغير حاول أن يفهم لماذا لم يكن كافيا.
قلت بهدوء يشبه حد السكين
لا لستما عائلتي.
وأضافت روحي قبل لساني
عائلتي هي من بقي لا من انصرف.
تجمد الوجهان أمامي كأن الزمن قد انكمش حولهما. لم تكن دهشتهما
دهشة كلمة بل دهشة انكشاف حقيقة ظلا يهربان منها طيلة العمر.
تحرك فم أبي قليلا بدا وكأنه يحاول أن يصوغ اعتذارا متأخرا أو يلفق تبريرا هشا أو يلتقط ما تبقى من وقاره المتداعي
غير أن صوته خانه.
لا حروف.
لا تبرير.
لا ظل لحديث.
كان الصمتبكل ثقله وجبروتهخاتمة فصل طويل لا بداية نقاش جديد.
استدرت مغادرة واتجهت إلى الأبواب الزجاجية لشركتي تلك التي لم تبن على إرث مهدى بل على إرادة امرأة أعادت تشكيل نفسها من فتات رماد لم يكن لها يد في إشعاله.
انعكس وجهي على السطح اللامع امرأة بعينين لم تعودا تبحثان عن تصديق أحد وبقلب أدرك أخيرا أن القوة ليست صراخا ولا إثباتا بل مضي بلا التفات.
دخلت المبنى بخطوات محسوبة خطوات امرأة اختارت ذاتها وقررت أن يكون ولاؤها لروحها أولا.
وحين انغلق الباب وراء ظهري
لم أشعر بوخز الفقد
ولا بارتجاف جرح قديم
ولا بذلك الفراغ الذي كان ينهشني كلما تذكرتهم.
شعرت بشيء آخر
شيء يشبه نسمة رقيقة تعبر القلب بعد عاصفة عاتية
سلام لا يضج
ولا يصرخ
سلام ناضج هادئ مكتمل.
السلام الذي تمنيته طفلة
ورجوته شابة
وبنيته امرأة تعرف حدودها وتعرف قيمتها.
سلام يفتح باب حياة جديدة
حياة لا موضع
فيها لمن رأى رحيلي سهلا
ولا مكان إلا لمن اختار البقاء حين كان البقاء امتحانا.

 

تم نسخ الرابط