أجبرتني زوجة أبي على الزواج من شاب ثري لكنه مُقعد. وفي ليلة زفافنا، حين حملته إلى السرير وسقطت، اكتشفت حقيقة صادمة.
المستعار الذي تزوجت به.
كان يستمع وأحيانا يبتسم.
كانت تلك أول ابتسامة أراها منذ قدومي.
ثم بدأت أعلمه الوقوف أولا لثوان ثم دقائق.
كان يسقط فأمسكه.
يتألم فأدلك ساقيه.
سألني مرة
ألا تخافين مني
فأجبته
لا. أخشى فقط أن تستسلم.
وفي لحظة ما تلاشى الخوف الذي كان يلازمني نحوه وتغيرت عيناه لم تعد باردة.
في إحدى الليالي قال لي
في يوم الحادث قالت لي خطيبتي لا أستطيع العيش مع رجل مقعد. ثم رحلت. حاولت أن أمشي لستة أشهر وكلما حاولت شعرت بأنني عديم القيمة أكثر.
صمت طويلا ثم سألته برفق
ولو بقي أحد إلى جانبك كنت ستحاول مجددا
هز رأسه
ربما.
ذلك الربما كسرت شيئا في داخلي ليس من الشفقة بل لأنها اخترقت شيئا دفينا في روحي.
كنت مثله ذات يوم تائهة مقتنعة بأنني لا أستحق حبا من أحد.
وفي يوم جاءت زوجة أبي إلى الفلا.
بنبرة الأمر نفسها
أتمنى أن تكوني سعيدة الآن. ولا
قبل أن أتكلم ظهر آرف.
وضع شيكا على الطاولة وقال ببرود حاسم
شكرا لأنك جئت بها إلي. لكن من اليوم ليس لك أي حق عليها.
تجمد وجه زوجة أبي.
وانهمرت دموعي.
وللمرة الأولى وقف أحد إلى جانبي لا طمعا ولا واجبا بل لأجلي أنا.
في تلك الليلة جلست بقرب سريره وقلت بهدوء
شكرا لك.
ابتسم قائلا
لم أفعل ذلك لأنك مدينة لي. فعلته لأنني كنت مدينا لنفسي لأنني تركتك وحدك طويلا.
ومع مرور الوقت بدأ يمشي بضع خطوات ثم أكثر.
كل صباح كان لا يزال بحاجة إلى عصا وكنت أمسك يده بينما نسير ببطء في الحديقة.
وفي يوم سألني
إن مشيت مجددا بشكل طبيعي هل سترحلين
ضحكت
إن كنت لا تزال بحاجة لشخص يصنع أسوأ قهوة في العالم فسأبقى.
ضحك ضحكة دافئة أذابت ضباب دلهي.
ثم في صباح ما استيقظت ولم أجده.
فأسرعت إلى الحديقة وتجمدت.
كان يسير.
بلا عصا.
بلا دعم.
ببطء
وقع ضوء الشمس على كتفيه وكان ألما وجمالا في الوقت نفسه.
تقدم نحوي أمسك يدي وقال
استعدت ساقي بفضلك لكن ما شفيته فعلا هو قلبي.
عانقته وأنا أبكي وأدركت أن تلك الليلة التي سقطنا فيها لم تكن سقوطا للجسد فقط بل أول مرة تلامس فيها قلوبنا بعضها.
كانت الفلا التي بدت يوما قبرا باردا لا يسمع فيه أحد أنفاس الآخر قد امتلأت الآن بحياة جديدة ضحكات خفيفة تتردد في الممرات ورائحة الشاي والزهور تعبق في الحديقة وكأن جدران البيت التي كانت تنكمش على نفسها بدأت تتنفس من جديد.
كل صباح أستيقظ على صوت خطواته الهادئة صوت لم أكن أتخيل يوما أنني سأسمعه بلا كرسي أو عصا.
يمشي وحده نحو الشرفة يدفع الستائر برفق ويترك للشمس طريقا للدخول ثم يملأ كوبين من ماسالا تشاي واحدا له وواحدا يضعه أمامي قبل أن أفتح عيني.
صار يعرف كمية السكر التي أحبها ودرجة حرارة الشاي
كان كل شيء فيه حتى صمته أصبح يشبه بيتا آمنا أعود إليه كل يوم.
وفي إحدى الصباحات وبينما كان البخار يصعد من الكوبين كأنه يخبر السماء بحكايتنا مازحته مبتسمة
هل تتذكر ليلة زفافنا
رفع رأسه وعلى شفتيه ابتسامة دافئة تشبه شروقا متأخرا
كيف أنساها في تلك الليلة حملتني أنت لأنني لم أستطع حمل نفسي. واليوم حان دوري أن أحملك لأكمل بك نصف عمر هادئ عمر كنت أظن أنني لن أحصل عليه أبدا.
ساد الصمت لحظة صمت جميل يمتلئ بكل ما لا يقال.
اقتربت منه أكثر وأسندت رأسي على كتفه.
شعرت بدفء صدره وبنبضه الذي لم يكن ثابتا فحسب بل مطمئنا وكأنه أخيرا وجد ما كان يبحث عنه طوال السنوات القاسية.
همست له بصوت خرج من أعمق نقطة في روحي
في النهاية الحياة لا تحتاج إلى ساقين قويتين لنسير بها.
بل تحتاج إلى قلب قوي يكفي
فما دمت معي لن أتعثر مهما طال الطريق.