تخلى عنها أهلها وتركوا لها بقرة فقط

لمحة نيوز

تخلى عنها أهلها وتركوا لها بقرة فقط لكنها وجدت مكانا غير كل شيء
هبت ريح جبال خاليسكو العاتية على وجه فالنتينا وهي تسير على الطريق الترابي 
كانت الفتاة ذات الأربعة عشر عاما تمسك بحقيبة سفر ورقية مهترئة تكاد تسمع أنينها عند كل خطوة وكأنها تحتج على ثقل العالم الذي سقط فوقها فجأة في داخل الحقيبة كانت تكمن بقايا حياتها السابقة بعض الملابس القديمة التي صغرت عليها دمية قماشية تخص والدتها وصورة تلتقط والديها في يوم زفافهما يوم بدا الآن بعيدا كحلم انطفأ في منتصف الليل 
وفي يدها الأخرى أمسكت بالحبل الذي يربط جيتانا البقرة الوحيدة التي تركتها لها عائلتها إرث غريب لفتاة صغيرة لكنه الشيء الوحيد الذي لم ينتزع منها 
كانت السماء رمادية منخفضة كأنها تحذرها بصمت من الوحدة الطويلة القادمة ومن البرد الذي سيستوطن قلبها قبل جلدها 
لم يمر سوى ثلاثة أيام على جنازة والدتها إيلينا وما زال الحزن ينهش صدرها كحد سكين غير مرئي كانت والدتها عالمها رفيقتها معلمتها والآن

لم يتبق سوى صدى صوتها في عقل فالنتينا يحثها على الثبات 
لكن ما جعل الرحيل أكثر مرارة لم يكن الموت بل الخيانة 
فقد وقفت أمام أعمامها حين قال أحدهم بابتسامة ملتوية وعينين باردتين كقطع رخم لا تعرف الرحمة 
والدتك كانت في حيرة من أمرها بشأن الديون والدين يا فالنتينا يسدد بالممتلكات 
كانت الجملة كضربة جارحة فهمت فورا أن رحمتهم المزيفة لم تكن إلا ستارا 
لقد جاؤوا شهورا طويلة يدعون أنهم يساعدونها بعد مرض والدتها وفي الحقيقة كانوا يخططون للاستيلاء على المزرعة كلها 
لم يتركوا لها سوى البقرة ربما لأنهم اعتبروا وجودها عبئا أو ربما لأنهم لم يجدوا لها قيمة 
سارت فالنتينا على الطريق الضيق وجيتانا تمشي إلى جوارها بخطوات هادئة كانت عينا البقرة الواسعتان تتابعان الطريق وكأنهما تعرفان أنهما أصبحتا جزءا من مصير مجهول 
مدت فالنتينا يدها تربت برفق على ظهرها الخشن وقالت بصوت مرتجف 
لا أعرف إلى أين نحن ذاهبتان يا جيتانا لكن البقاء هناك لم
يعد ممكنا 
تابعت سيرها حتى ظهرت أمامها البلدة الصغيرة مازاميتلا ببيوتها ذات الأسقف القرميدية وشوارعها المرصوفة بالحصى وب匂 رائحة القهوة الطازجة التي تتسلل من المقاهي القديمة 
كانت البلدة تبدو كأنها معزوفة هادئة وسط فوضى حياتها 
هناك وجدت ملجأ غير متوقع نزل دون جوليان 
جوليان رجل مسن قصير القامة ذو لحية فضية وعينين دافئتين تشبهان الشتاء حين يبتسم كان صديقا قديما لوالدتها وما إن رآها واقفة أمام النزل بجيتانا حتى أدرك من دون سؤال كل شيء 
قال لها بلهجة حانية 
تعالي يا ابنتي لديك مكان هنا 
أعطاها غرفة صغيرة في آخر الممر تطل نافذتها على ساحة البلدة لم تكن الغرفة واسعة لكنها بدت لها أكبر من العالم الذي تركته وراءها 
في الليلة الأولى جلست على السرير الخشبي تحتضن الدمية القديمة بينما ظلت جيتانا مربوطة في فناء النزل تنظر عبر النافذة كأنها تسأل إن كان هذا هو البيت الجديد 
بعد أيام قليلة جلس جوليان معها وقال وهو يقدم لها بعض المستندات
التي احتفظت بها والدتها لديه سرا 
فالنتينا والدتك لم تتركك بلا شيء لقد تركت لك قطعة أرض صغيرة وبعض المدخرات قالت لي إنك ستحتاجينها يوما ما 
اتسعت عينا فالنتينا دهشة ثم اغرورقتا بالدموع 
كانت والدتها تعرف وتشعر وتفكر بها حتى آخر لحظة 
لكن امتلاك أرض لا يعني شيئا إن لم تعرف كيف تستغلها 
وهكذا بدأت الأيام الصعبة 
لم تكن معتادة على العمل بمفردها ولم تعرف الكثير عن تربية الحيوانات أما جيتانا برغم هدوئها كانت تحتاج إلى رعاية حقيقية طعام تنظيف حلب ومراقبة مستمرة 
وفي كل مرة تخطئ فيها كانت تتذكر والدتها وهي تقول بصوتها الدافئ 
احترام الأرض والحيوان يا فالنتينا هو ما يجعل الإنسان قويا 
تعلمت كيف تزرع الخضراوات في قطعة الأرض الصغيرة خلف النزل وكيف تصنع الجبن الطازج من حليب جيتانا وكيف تبيع منتجاتها في سوق البلدة 
وفي أحد الأيام بينما كانت ترتب بضاعتها اقترب منها رجل أنيق يرتدي بدلة سوداء يحمل حقيبة جلدية لا تشبه بساطة المكان
أبدا 
قال باختصار وبنبرة
تم نسخ الرابط