تخلى عنها أهلها وتركوا لها بقرة فقط
رجل جاء من عالم آخر
اسمي رودريغو ألفاريز محام من مدينة مكسيكو لقد راجعت الوثائق التي استخدمتها عائلتك للاستيلاء على مزرعتك
تجمدت فالنتينا
تابع المحامي
ما فعلوه غير قانوني المحكمة قضت بإعادة الممتلكات لك بالكامل
رفعت فالنتينا يدها إلى فمها غير مصدقة لم يكن المال ما أفرحها بل الشعور العميق بأن الحقيقة يمكن أن تنتصر وأن الخيانة لا تطفئ دائما نور الحق
وتلك اللحظة كانت بداية شيء جديد تماما
وقفت فالنتينا تحمل ورق المحكمة بين يديها لا تصدق أن العدالة يمكن أن تصل إليها في هذا العمر الصغير كانت الريح تلعب بأطراف شعرها البني فيما وقفت جيتانا إلى جوارها كأنها تشاركها الانتصار بصمتها الهادئ
أما السوق من حولها فقد بدا متجمدا الباعة ينظرون إليها بدهشة وكأنهم يشهدون معجزة صغيرة تتفتح وسط حجر
لم يكن استعادة المزرعة نهاية الطريق بل بدايتها
ففي صباح اليوم التالي حملت متعلقاتها ووقفت أمام بوابة المزرعة التي نزعت منها بالقوة
كانت الأسوار متكسرة والأعشاب تعلو الأرض وأثر الإهمال واضحا على كل زاوية
لكن
قالت وهي تربت على رأس جيتانا
هنا سنبدأ من جديد كما بدأنا اول في تلك قطعة الارض الصغيرة وجعلتها ذات قيمة
شرعت في العمل بلا تردد استعانت ببعض عمال البلدة الذين يعرفهم جوليان وبدأت عملية الإحياء
إصلاح الحظائر تنظيف الأرض ترميم البيت وإعادة ترتيب الحقول
كانت تعمل حتى تتشقق يداها وتستيقظ قبل أن تستقر النجوم في مكانها
ومع الوقت بدأت المزرعة تنبض بالحياة مثل كائن صحا من نوم طويل
كانت تستيقظ عند الفجر لتحلب جيتانا ثم تصنع الأجبان الطازجة بيديها وفي الظهيرة تزرع وتروي وفي المساء ترتب أدواتها وتجلس تتأمل الحقول التي صارت كقطعة من روحها
شيئا فشيئا لم تعد مجرد فتاة فقدت أهلها
بل امرأة صغيرة بنت نفسها من حطام الخذلان
بمرور الأشهر لم تتغير المزرعة فقط بل تغيرت فالنتينا
كانت في البداية ترتجف عندما تسمع صراخ أحد العمال تخاف من القرارات الكبيرة تخشى الخسارة كأن العالم دائما يتهيأ ليأخذ منها كل شيء
لكنها تعلمت أن تقود أن تخطط وأن تتخذ القرارات التي
كانت تقول في سرها
إذا استطعت أن أبدأ من بقرة واحدة أستطيع أن أبني عالما كاملا
سمعتها بدأت تنتشر وصارت منتجاتها تصل إلى مدن أبعد وأصبح الكل يعرف قصة فتاة جيتانا
ومع نجاحها حاول أعمامها العودة إليها طرقوا بابها بوجوه مصطنعة الندم يحملون كلمات ملساء كالتي خدعتها أول مرة
لكنها نظرت إليهم بثبات امرأة لم تعد تخاف
وقالت بصوت هادئ حاسم
لقد اختار كل منا طريقه وأنتم اخترتم أن تخونوا أمي قبل أن تخونوني
ولا مكان للخيانة في هذه الأرض
ثم أغلقت الباب لا بغضب بل بحكمة النضج المبكر الذي فرضته الحياة عليها
وفي أحد الأيام الممطرة بينما كانت تفقد الحقل اقترب منها جوليان مستندا إلى عصاه وقال بابتسامة أبوية
والدتك يا فالنتينا كانت ستفخر بك أنت لم تستعيدي المزرعة فقط بل صنعت منها حياة
رفعت عينيها إلى السماء وكأنها ترى وجه والدتها بين الغيوم
كان المطر ينهمر كأن الجبال نفسها تبارك رحلتها
بعد عام كامل من العمل أقامت فالنتينا احتفالا صغيرا في المزرعة دعت إليه أهل البلدة
أضيئت الساحة بالفوانيس وامتلأ المكان بالموسيقى الخاليسكوية التقليدية ورائحة الجبن الطازج الذي صنعته بنفسها
وقفت وسط الحضور وإلى جانبها جيتانا التي أصبحت عجوزا قليلا لكنها ما زالت وفية وقالت بصوت ثابت سمعه الجميع
عندما تخلى عني الجميع لم يتبق لي إلا هذه البقرة
كانت البداية صغيرة لكنها كانت صادقة
واليوم أنا لا أشكر الحظ بل أشكر الطريق الذي علمني أن النور قد يولد من أقل الأشياء
ثم رفعت صورتها القديمة صورة والديها يوم زفافهما وقالت
أمي لقد فعلتها
وهنا عم الصمت ثم دوى التصفيق مثل موجة دافئة تحتضنها
وفي تلك اللحظة لم تعد فالنتينا مجرد فتاة ورثت بقرة
بل أصبحت امرأة صنعت من وجعها قوة ومن وحدتها بيتا ومن أرض صغيرة
ضيعة تعج بالحياة
وتحت سماء جبال خاليسكو وبين صوت الناس والموسيقى ابتسمت فالنتينا ابتسامة كاملة لأول مرة منذ رحيل والدتها
كانت تعرف أن الطريق ما زال طويلا
لكنها صارت تؤمن أنها لن تخطو فيه وحدها أبدا
فكل خطوة جديدة كان فيها شيء من روح أمها
وشيء
وشيء من جيتانا التي بدأت معها الحكاية