طرد المليونير 37 مربية إلى أن فعلت خادمة واحدة المستحيل

لمحة نيوز

شديد يشبه اللحظة التي تسبق هطول عاصفة لا ترحم.
وبينما تمر بجانب الدرج الخشبي رأت حركة خاطفة خلف الدرابزين. لم تلتفت. بعض الأماكن تختبر زائريها أولا وبعض الأحجار تحرك عمدا لترى إن كان القادم مستعدا للبقاء. حسمت أمرها في تلك اللحظة لن تمنح أحدا فرصة لرؤية ارتباكها. تابعت سيرها رافعة رأسها كأنها تحفظ قواعد لعبة لم تتعلمها يوما لكنها تفهمها بحدس يشبه الغريزة.
في المطبخ وضعت حقيبتها على الطاولة وشرعت بطي أكمامها استعدادا للعمل. لكن حفيفا خلفها جعلها تستدير ببطء. عند الباب وقفت التوأمتان بياتريس وبيانكا تبتسمان ابتسامة لا تشبه البراءة إلا في شكلها.
قالت بياتريس
أنت جديدة. 
أجابت لويا بهدوء ثابت
يبدو ذلك. 
رفعت بيانكا يدها إلى خاصرتها وسألت بخبث طفولي
ولم ستبقين هنا دقيقة ساعة يومين 
ردت لويا بابتسامة صغيرة
طالما هناك عمل ينتظرني سأبقى. 
تبادلت التوأمتان نظرة سريعة نظرة تحمل نية مدفونة لا تخطئها العين. ثم اختفتا.
لم تمض لحظات حتى دوى ارتطام خفيف في الردهة. خرجت لويا لتجد دلوا من الماء مقلوبا والماء ينساب كجدول صغير فوق البلاط. كان المقلب واضحا لكنها لم تظهر ضيقا ولا غضبا. أمسكت الممسحة وبدأت تجفيف الأرض بتمهل محسوب كما لو كان الأمر حادثا
عابرا لا أكثر. وكانت تعلم تمام العلم أن هناك ست عيون تراقبها من بعيد تبحث عن شرارة انكسار لكنها لم تمنحهم تلك المتعة.
في الطابق العلوي كانت ماريانا تتابع المشهد من أعلى الدرج بعينين لا ترمش. لم تكن مثل أخواتها لم تكن تسعى لمرح عابر أو مقلب جديد بل لشيء آخر تماما إثبات. كانت تريد أن يرى الجميع ووالدها قبلهم أن لا امرأة تستطيع أن تتجاوزها أو تتخطى الألم الراسخ في صدرها. ولهذا كان هدوء لويا يزعجها فذلك النوع من الهدوء لا يسهل كسره.
اقتربت من غرفتها دفعت الباب قليلا فرأت لورا جالسة على الأرض تعصر خصلة من شعرها بين أصابع مرتجفة. تقدمت نحوها بخفة تحاول إبعاد يد أختها لكن لورا فجأة صرخت صرخة مبحوحة خرجت من مكان عميق داخلها كأنها تخرج الألم بيديها.
فتراجعت ماريانا وجلست إلى جوارها عاجزة عن تقديم العون كما كان الجميع دائما.
في الأسفل كانت لويا تغسل الأطباق المتكدسة في الحوض حين اخترقت سكون المنزل صرخة حادة صاعدة من الطابق العلوي. توقفت يدها لوهلة. كانت تعرف أن الأصوات التي تأتي من أغوار هذا القصر تكشف ما هو أعمق وأقسى من الفوضى التي تراها بعينيها. ومع ذلك لم تصعد. لم يكن وقتها بعد. فالدخول إلى عالم هؤلاء الأطفال يحتاج خطوات محسوبة لا تحتمل الخطأ فهفوة واحدة
قد تشعل حربا لا تستطيع الفوز بها.
وبينما كانت تفرغ سلة النفايات لمحت دفترا صغيرا تحت الطاولة مبتل الأطراف. انحنت والتقطته. كان دفترا ورديا كتب على غلافه اسم جوليا. فتحته ببطء فإذا بالصفحات مملوءة برسوم بسيطة أم ترتدي فستانا أصفر ست فتيات يختبئن خلف جدار وفتاة تبكي في فراشها. أما الصفحة الأخيرة فكانت عالما مظلما خطته جوليا بخطوط كثيفة متشابكة وفي وسطه كلمة واحدة مرتجفة ماما .
أغلقت لويا الدفتر برفق ونفخت بخفة على صفحاته كأنها تحاول رد الحياة إلى شيء فقد أنفاسه. لم تعلق ولم تترك الدفتر في مكانه احتفظت به كما يحتفظ المرء بمفتاح صغير لقصر مليء بالأبواب المغلقة.
ومع مرور الساعات بدأت الفتيات يختبرن صبرها. وجدت الملح ممزوجا بمسحوق الغسيل والصابون السائل داخل الثلاجة ودبوسا مغروسا في مقبض المكنسة. لكن لويا لم ترفع صوتها ولم تطلب مساعدة ولم تظهر انفعالا. كانت تعمل بصمت كأن وجودها هامشي بينما كانت في الحقيقة تحفظ تفاصيل المكان أكثر مما فعل أي من عاش فيه.
وعند الظهيرة وبينما كانت تنشر فوط المطبخ تحت الشمس سمعت خطوات خفيفة خلفها. التفتت فإذا ب إيزابيلا الصغيرة تقف عند العتبة تحتضن دميتها بين ذراعيها وتعض طرفها بتوتر. كانت هذه أول مرة تراها منذ وصولها إلى المنزل.

انحنت لويا حتى صارت في مستواها وقالت بنبرة دافئة
أهلا يا أميرتي الصغيرة. 
حدقت إيزابيلا فيها بعينين واسعتين ثم أشارت بإصبعها نحو المطبخ تتحرك شفتيها المرتجفتان في محاولة لالتقاط كلمة. خرج الصوت خافتا ضعيفا يكاد يضيع في الهواء
ج جوعانة. 
تجمدت لويا لحظة لا لأن الطفلة نطقت بل لأنها فهمت فورا أن هذا حدث نادر نادر جدا.
كانت تعرف من حديث الأب أن إيزابيلا لا تتكلم إلا كلمتين ولا تأكل إلا إذا غلبها النوم.
اقتربت منها لويا ومدت يدها الصغيرة
تعالي سنأكل شيئا لذيذا معا. 
لكن قبل أن تلمس يدها دوى صوت من أعلى الدرج
إيزابيلا! تعالي هنا! 
كان صوت ماريانا قاسيا حد البرودة حادا بما يكفي ليرعب طفلة فقدت نصف عالمها برحيل أمها.
تراجعت إيزابيلا خطوة إلى الخلف والتصقت بالجدار. نظرت إلى لويا ثم إلى أختها ثم بدأت شفتيها ترتجفان من جديد لا لتنطق كلمة بل لتبكي.
وقفت لويا ببطء. رفعت بصرها نحو ماريانا دون خوف ودون تحد ودون انكسار. وقالت بصوت هادئ لكنه واضح شفاف كالحد
إيزابيلا ليست مضطرة لأن تعيش خائفة. 
توقف الهواء.
لم تتوقع ماريانا أن ترد الخادمة.
كل النساء قبلها كن يتهربن من مواجهة البنات فكيف تجرؤ هذه الفتاة البسيطة ذات الحقيبة القديمة
حدقت فيها
ماريانا بحدة وقالت
لا تتدخلي في ما
تم نسخ الرابط